رقم الخبر: 293994 تاريخ النشر: تشرين الأول 17, 2020 الوقت: 13:11 الاقسام: ثقافة وفن  
التاريخ فن تتداوله الأجيال والأمم
لاحتراز المضار واستجلاب المنافع

التاريخ فن تتداوله الأجيال والأمم

الزمن الماضي أو التاريخ المنصرم هو البئر التي نمتح منها أفكاراً وتصورات، والأساس الذي نقيم عليه بناءً وبنياناً، والبوصلة التي تحدد لنا أيّ الطرق نسلك، وأي الأهداف نوليها الاهتمام..

وإذا تحركنا بعيداً عن ماضينا/ تاريخنا، فإن نقصاً لا بد أن يلحق بهذه الحركة، وزاداً ثميناً لا بد أن يفوتنا.. فإن دعوة القرآن الكريم للسير في الأرض وأَخْذِ العبرة، لم تكن من فراغ؛ بل لأن هذا السير وذلك الاعتبار إنما يؤسِّسان لحركة راشدة، ولخطوات ثابتة، ولوعي نافذ: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 137، 138).

التاريخ وفائدته

وعلم التاريخ- كما جاء في «كشف الظنون»- هو معرفة أحوال الطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم، ووفياتهم، إلى غير ذلك. وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية من: الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والحكماء، والملوك، والشعراء، وغيرهم. وأما الغرض منه فهو: الوقوف على الأحوال الماضية. وفائدته: العبرة بتلك الأحوال، والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب، بالوقوف على تقلبات الزمن؛ ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار، ويستجلب نظائرها من المنافع.

وهذه الفائدة هي «مربط الفرس» في علاقتنا بالتاريخ؛ فليست دراستنا إياه ترفاً فكرياً، ولا رغبة في التزود من المعرفة النظرية فحسب؛ وإنما يجب أن نتغيّا منه الفائدة العملية، تلك التي تتمثل في «احتراز المضار، واستجلاب المنافع».

وقد بيّن ابن خلدون أهمية التاريخ، فقال: فنّ التأريخ فنٌّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا (أي يُطلعنا) على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا؛ فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ وينكّبان به عن المزلات والمغالط.

ويلفت ابن خلدون النظر إلى أن التاريخ له ظاهر وباطن؛ الأول يتعلق بمجرد سرد أحداثه ووقائعه، والثاني يغوص في سننه ومقاصده ودوافعه؛ فيقول: «فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسّوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق».

المواقف المتعددة من التاريخ

إذا كان هذا هو علم التاريخ وفائدته والغرض منه، فإن الناس علماءَ وجهالاً يتساوون في معرفة ظاهره، ويختلفون في الموقف من باطنه؛ أي من سننه ومقاصده ودوافعه، ومن استيعابه وتقديره.

ويمكن أن نلاحظ أن هذه المواقف تجاه التاريخ تتعدد بين: نسيان التاريخ، أو استحضاره لدرجة الجمود عليه.. وبين ازدراء التاريخ والنعي عليه، أو تقديسه.. وبين نقد التاريخ نقداً علمياً صحيحاً، أو تزويره واختلاق أحداث منسوبة إليه.. وبين إهمال التاريخ، أو استيعابه.. وأصحابُ الموقف الأخير- الاستيعاب- قليلٌ ما هم!

ولهذه المواقف وموقعها من الصواب أو الخطأ..

نسيان التاريخ: ونقصد به محو التاريخ من الذاكرة، والبدء من نقطة الصفر كأننا نبدأ سير البشرية من جديد! وللأسف، يكون هذا سلوك الأمم في حال تراجعها، فتغفل عن ماضيها الذي هو لا شك قادر على أن يمدها بعوامل النهوض، وبأشعة النور! وكم تكون عاقبة هذا النسيان وخيمة على الحاضر والمستقبل معاً؛ فأمة تتحرك كأنها بلا تاريخ، لن تفلح في خطواتها.

الجمود على التاريخ: هناك من يجمد على التاريخ ولا يريد أن يغادره؛ فيقف عند أحداثه كأنها المبدأ والمنتهى، والوسيلة والغاية! مع أن التاريخ- تاريخ أي أمة- فيه نجاحات وإخفاقات؛ وليس مطلوباً أن نقف عندهما إلا بأخذ العبرة، وليس بالجمود عليهما.. ولهذا نرى أن اختلافاً كبيراً- طائفياً ومذهبياً- يجري في عالَم الإسلام بسبب الجمود على التاريخ، والوقوف عند أحداث بعينها كانت سبباً في الانقسام والفرقة؛ وكأنّ المراد أن نظل مشدودين إلى الوراء، غير ملتفتين كما ينبغي إلى الأمام، وإلى التحديات التي تهدد الجميع!

تقديس التاريخ: وهذا خطأ يقع فيه بعض المتدينين، أصحاب العاطفة تجاه تاريخنا الأول، وهو بالفعل تاريخ نفخر به.. لكنم يخلطون بين الاعتزاز بالتاريخ، وتقديسه! فبينما الموقف الأول مطلوب ومهم، فإن الثاني لا يجوز؛ لأن التاريخ هو حركة بشرية قابلة للصواب والخطأ.. ثم إن هناك فرقاً بين التاريخ النبوي وما تلاه؛ فالنبي(ص) يوحَى إليه- مع أن حركته صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين خضعت للأسباب وللعوامل البشرية- أما غير النبي(ص) فليس معصوماً.. فضلاً عن أن ثمة فرقاً كبيراً بين تاريخ الخلفاء الراشدين ومن تلاهم! ولهذا، لا يجوز تقديس «التاريخ» كمصدر للمعرفة والتوجيه؛ لأن مصادرنا في التلقي هي «القرآن والسنة»، وأما غيرهما فيؤخذ منه ويرَد عليه.

تزوير التاريخ: وذلك باختلاق أحداث منسوبة إليه، أو حذف وقائع ثابتة فيه؛ وهذا يكون لهوى في نفس من يقوم به. وما أكثر ما يلجأ لذلك المستشرقون وأصحاب القراءات المنحرفة المتعسفة؛ بهدف إبراز حركات ضالة في التاريخ، أو التأصيل لأوضاع معوجة في الحاضر.. كما يقوم بذلك من يتولون زمام الأمر بعد من يختلفون معهم؛ حتى يهوّنوا من إنجازات من سبقوهم، أو ينسبوا إليهم ما لا يليق..

إهمال التاريخ: هناك من لا يلتفت للتاريخ، ويهمل دروسه وعبره؛ بينما هو- أي التاريخ- حيّ مستمر ينبض بالحيوية، وإن تحوَّل إلى شيء يسمَّى «الحاضر»، ثم يتطور هذا الحاضر إلى شيء آخر يسمى «المستقبل»! ومن معاني الإهمال أيضاً: التعامل مع التاريخ كأنه أمر متحفي: مطلوب أن نتأمل فيه، ونعجب بأسراره، ونندهش بإنجازاته؛ لكن لا نقدّرها حق قدرها، ولا نضعها موضع الفحص والدرس والتطبيق! ولا شك أن خطواتنا المتعثرة دالَّةٌ على إهمالنا للتاريخ، وعدم تعاملنا معه كما يبنغي!

استيعاب التاريخ: إن هذا هو الموقف الصحيح الذي ينبغي أن نكون عليه تجاه التاريخ؛ لأن هذا التاريخ فعل ممتد كالسهم المنطلق من القوس إلى الهدف؛ إنه لا يكفّ عن الحركة ولا يَثْبُت في نقطة، وهو- أي السهم- يتصل بنقطة انطلاقه ووصوله؛ فهما منسوبتان إليه، وهو مرتبط بهما.. وهكذا التاريخ!

والاستيعاب الحق للتاريخ يكون بمعرفته أولاً معرفة صحيحة تنفي عنه الشوائب والزيف، وتحقِّق في أحداثه سنداً ومتناً؛ ثم بالغوص في دوافعه ومحركاته وقوانينه؛ ثم بالإفادة منه في خطواتنا الحاضرة وتطلعاتنا المستقبَلة.. مع إدراك أن التاريخ لا يتكرر بتطابق، وإنما بتشابه؛ وأننا لا يجوز أن نكون أسرى له، كما لا ينبغي أن نقفز عليه أو نهمله أو نزدريه..

ولو أننا أحسنّا فَهْم تاريخنا واستوعبناه، ووضعناه موضع العبرة والدرس، وبالتالي موضع التطبيق والتنفيذ؛ لتجنبنا كثيراً من الجدل الذي يراد له أن يعرقل خطواتنا؛ مثل الحديث عن نموذج النهضة والتطور.. ومثل التعامل مع الأفكار الوافدة.. ومثل قدرتنا على تجاوز المحن والأزمات.. إذ إن تاريخنا شاهد على كيفية التعامل الصحيح مع ذلك كله، دون أن نخاصم هويتنا، أو نجمد في حركتنا، أو نفقد الأمل في تحقيق الآمال المرجوة..

إن تاريخنا لهو نعم الزاد لحاضرنا ومستقبلنا..!!.

 

 

بقلم: محمد السنوسي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1579 sec