رقم الخبر: 299984 تاريخ النشر: كانون الأول 25, 2020 الوقت: 13:17 الاقسام: ثقافة وفن  
الأبعاد العلمية والتربوية والثقافية لجائحة كورونا في رؤية الإمام الخامنئي

الأبعاد العلمية والتربوية والثقافية لجائحة كورونا في رؤية الإمام الخامنئي

بسم الله الرحمن الرحيم والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وآله الطيبين الطاهرين.

بداية، أحيي هيئة التعليم العالي في التعبئة التربوية لحزب الله على مبادرتها لإقامة ندوة حول الآثار العلمية والتربوية والثقافية لجائحة كورونا، كما وأزف أطيب التحيات الى الأساتذة المحاضرين وإلى جميع متابعي هذه الندوة الافتراضية.

في متابعتي لمواقف الإمام الخامنئي وأقواله حول هذه الجائحة، رأيته يهتم الى جانب البعد الصحي والعلاجي والتقني، بأبعادها العلمية والتربوية والثقافية، إن في التوصيف أو سبل المواجهة أو تقييم الأداء أو استشراف المستقبل. وهذا ما نلحظه دائماً في مسيرته قائداً ومرجعاً دينياً ومربياً ومصلحاً اجتماعياً.

فهو يرى في الجائحة العالمية اختباراً للإنسان وابتلاءا إلهياً، مستشهداً بالآية الشريفة: «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات"، ليقدم درساً تربوياً من خلال قوله تعالى: "وبشر الصابرين"، مؤكداً أن الصبر والإتقان والعقلانية وتطبيق الإجراءات وصون النفس والآخرين واحتواء الوباء الخطير، في مسيرة من الصمود والثبات وبعد تقدير الموقف وتحديد الأهداف والمضي قدماً بمعنويات عالية، سيتوج هذا الثبات بالنجاح.

ولا ينسى الإمام أن يعطي جرعة تربوية وتثقيفية أخرى في وصفه الوباء بالحقير والخطير في آن واحد، ليشد الأنظار الى ضرورة الانتباه الى الخطر من جهة واحتقاره في الوقت نفسه من جهة أخرى، لأجل عدم الضياع في متاهات الخوف والتخويف منه.

وبناء عليه، يقدم الإمام توصيات عامة، أهمها الصبر والإلتزام والاهتمام بالنظام العام، بينما دأب في أغلب خطبه حول الجائحة على تقديم الشكر لمن كان لهم دور في مواجهتها بكل أطيافهم، والتوجه لله سبحانه وتعالى بالحمد والثناء على التوفيق الذي حققه الشعب الايراني والشعوب المسلمة في السيطرة على آثار الجائحة، كما وتقديم المواساة للمصابين والعوائل المفجوعة بفقد أعزتها، داعياً الله أن يمنّ بالشفاء للمرضى والمغفرة للضحايا، لاسيما ممن قضى نحبه في العملية الجهادية لمكافحة "كورونا"، معرباً عن مشاعره بالألم لفقد أبناء الشعب، والفرح حينما تتدنى أعداد الضحايا في منطقة ما، معبراً بذلك عن علاقته الأبوية بشعبه وعواطفه الانسانية لبني البشر، ليسجل موقفاً تربوياً بالإضافة الى دوره القيادي الرائد في إدارة عملية الحكم والمجتمع على مختلف الأصعدة.

وحول سبل المواجهة وتقييم الآراء، نرى الإمام الخامنئي وهو يهدي قبسات رؤيته وتوصياته إلى جميع القطاعات وليس القطاع الصحي فحسب، فيبدأ من الأسرة والمرأة مؤكداً دورها في ترسيخ مفهوم الصبر وتحمل الصعاب وإدارة المنزل، مبيناً أهمية الأسرة في الإسلام والمجتمعات الإسلامية، خلافاً للبيئة الغربية التي لا تتمتع الأسرة فيها بوشائج متينة. ويدعو الانسان والأسرة الى الرزانة في التعامل وعدم الاضطراب على الرغم من وجود القلق.

وحين ينتقل الى مختلف الشرائح في المجتمع ودورها في التصدي لهذه الجائحة، يؤكد أن ما قامت به القوى المجتمعية، إنما يعبر عن عمل جبار وجهاد عظيم وحركة جهادية، ينبغي أن تسجل في صفحات التاريخ بتنوع مجالاتها وأدوارها ومنها:

- مجال الخدمات الطبية والتمريضية وجهاد الكوادر في الوقاية والغربلة والتشخيص والعلاج.

-كما والصحة البيئية والعامة وتعقيم مراكز التجمعات والأماكن العامة من خلال عملية تعبوية شاملة.

- وإنتاج المستلزمات والمعدات الذي اضطلعت به مختلف شركات المعرفة والأجهزة الحكومية والعامة، بل وحتى عموم الناس، وبسرعة محيرة، ودون مقابل أحياناً، ما يبعث على الفخر والاعتزاز.

- والخدمات الرفاهية وحملات الإحسان والاستجابة لندائه للمشاركة فيما أسماه بالحركة الإيمانية، وفي هذه التسمية دلالة واضحة على اهتماماته التربوية والثقافية.

- إلى المشاركة العامة في جميع المجالات، حتى عملية تغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم.

- أو الجهود العلمية والبحثية التي جرت في المراكز الجامعية.

- وفي نهاية المطاف وفوق كل ذلك، التخطيط والادارة في الهيئة الوطنية العليا للكورونا ووزارة الصحة وغيرهما.

ويصرح الإمام وفق نظرته التربوية بأن كل ذلك ناتج عن الثقافة الإسلامية والإلهية والثورية، ويعد مبادرة عامة تذكرنا بفترة الدفاع المقدس خلال الحرب الصدامية على ايران، نظراً لعبق عطر التضحية والفداء والخدمة والدعم والإسناد الذي فاح في الأفق، وسطر كل هذه الملاحم والأمجاد الوطنية والإيمانية، مؤكداً دور كل من ساهم في هذه العملية من عامة الناس والمسؤولين والقوات المسلحة والتعبئة والمساجد والمتطوعين الشباب وطلاب الجامعات والحوزات، بالإضافة الى الكادر الطبي، مسمياً من ساهم فيها بالمجاهد في سبيل الله.

وإذا تتبعنا القيم الأخلاقية والتربوية والثقافية التي يطرحها خلال تناوله لهذه الجائحة، نرى تأكيده على العدالة الاجتماعية والاهتمام بالضعفاء المتضررين من الوباء وارتداداته الاقتصادية والعاجزين عن تدبير أمورهم، حيث يرى ذلك واجباً عاماً ومسؤولية جماعية، محملاً المتمكنين المسؤولية العليا، مستشهداً بالدعاء المأثور: «وارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت عليّ من فضلك.

وهنا يثني على حركة التطوع، ذاكراً بعض نماذجها: مشروع الأضاحي في كل الأحياء» و«مساعدة أمهات الشهداء لإقامة مشاغل لخياطة الكمامات»، أو «تعبئة النساء اللاتي كنّ يهتممن بالخبازة للجنود في الجبهات ومشاركتهن في عمليات إحتواء الوباء» و«إحداث موقع جهادي لطلاب الحوزة العلمية والقيام بعمليات التعقيم» و«اهتمام كبار القوم في شيراز بدعوة المؤجرين لإمهال المستأجرين والتخفيف من أعباء مبالغ الإيجار» و«حكاية رئيس إحدى الحوزات العلمية الذي نزل شخصياً الى الميدان» و«المرشح الخاسر في الانتخابات النيابية الذي وظف أفراد حملته الانتخابية في تعقيب هذه الحركة الجهادية» وغيرها، ليقدم بذلك نماذج عملية من شأنها التثقيف العام، وهو لا يغفل عن بعد تربوي مهم في الأمر، ألا وهو استكشاف طاقات جديدة كامنة في المجتمع، يمكن توظيفها في العملية الإنمائية والتنموية والخدمية في المستقبل، مؤكداً توصيف كل ذلك بالحركة الإيمانية.

وخلال أحاديثه، تناول الإمام القائد الإشكالية التي طرحت في الجانب الديني وجدلية العلاقة بين العلم والدين والنقاش الحاصل حول أداء الطقوس الدينية الجماعية موظفاً في الوقت نفسه التربية الدينية لمواجهة الأزمة.

لذلك أطلق حملة المساعدات الإيمانية لذوي الحاجة في شهر رمضان، شهر الإنفاق والإيثار وإغاثة الفقراء والمحتاجين كما ورد في خطاباته حرفياً، معبراً عنها كمناورة عظمى للمواساة والإخاء، وكذلك كجهد لإثبات الولاء والمحبة للإمام المنتظر والحركة نحو تأسيس المجتمع المهدوي، مجتمع القسط والعدل والعزة والعلم والمواساة والأخوة، مؤكداً أن انتظار الفرج من شأنه أن يخفف من آلام المحنة والشدة الى جانب الدعاء والتضرع الى الله.

وكذلك بالنسبة لمجالس العزاء في محرم الحرام ومسيرة أربعينية سيد الشهداء، فهو ينصح جميع المراكز الدينية والخطباء والمنشدين بالالتزام بالضوابط التي تضعها الجهات المسؤولة، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على روح الفداء والعزاء. ولم ينطلق الإمام القائد في دعوته لمساعدة الفقراء من منطلق التكافل الاجتماعي فحسب، بل عدّ ذلك في عداد التسابق الى الخيرات الذي دعا اليه القرآن الكريم.

وفي مجال ثقافة الاجراءات الادارية والتطبيقية أشاد الإمام الخامنئي بعملية فسح المجال أمام الشعب من قبل الحكومة، ما أدى الى تحقيق نجاح باهر في جميع الأبعاد، مؤكداً ضرورة تلقي الدرس وتكراره في سبيل تسهيل الإجراءات القانونية والادارية في سائر المجالات، ومنها الاعتماد على المواطنين في القطاع الاقتصادي.

ثقافة الالتزام بالأنظمة والتشريعات وحفظ النظام العام، الى جانب التضحية والإيثار، هي الأخرى التي كانت موضع اهتمام الإمام القائد. التغيير الاجتماعي والتأقلم مع الظروف الطارئة وتعطيل الفعاليات وازدياد الاحتياطات وتأمينها والتعاون المتميز كله من شأنه أن يؤسس وفق رؤية الإمام القائد لمرحلة جديدة تشهد تطورات يمكن مقارنتها بالانتصارات التي حققها أبطال القوات المسلحة وفصائل المقاومة في جبهات القتال منذ الحرب الصدامية المفروضة على ايران وحتى مكافحة الارهاب التكفيري في المنطقة.

ومن الجوانب التثقيفية في خطاب السيد القائد، تأكيده تحقيق العزة للشعب بسبب نجاحاته وتضحياته وتحمله للصعاب، وكذلك الضغط النفسي للمسؤولين والكوادر الطبية، ما سيسجل ملحمة عظيمة في التأريخ داعياً الى الابتعاد عن الكلل والملل والتهاون، والى استمرار التعاون لتخفيف الأعباء الجسدية والنفسية والاقتصادية عن كل ذي صلة بهذه الجائحة.

وفي الجانب العلمي، ثمّن الإمام القائد الجهود العلمية لإنتاج المستلزمات الطبية والدواء والوقاية واللقاح، مؤكداً عظمة دور الباحثين والعلماء الشباب الأقوياء، مشبهاً دورهم أيضاً بالهمم التي صنعت ملاحم الدفاع المقدس، متمنياً أن يتحول هؤلاء لاحقاً الى علماء باحثين متميزين في عالم العلم والمعرفة.

وفي جانب آخر من خطابه التربوي، يجري الإمام القائد مقارنة بين الثقافتين الإسلامية والغربية، مديناً الإدارة الامريكية على ادعاءاتها وسوء إدارتها والتمييز العنصري الذي مارسته في هذه الازمة، مؤكداً فشل الغرب في هذا الابتلاء وفي قدرته على إدارته حيث الأعباء المتزايدة للمصابين في الدول الغربية على الرغم من الإمكانات الهائلة، ما يؤكد فشل الفلسفة الاجتماعية الغربية في روحها ومضمونها والتي ترتكز على المادية والنفعية والفردانية والتمييز والابتعاد عن الله أو الايمان السطحي به دون معرفة حقيقية، معداً ما جرى مسرحية كشفت الهزيمة الأخلاقية للحضارة الغربية، مدللاً على عمق الثقافة الاسلامية وقيمها على الرغم من المحاولات لاحتقارها وجذب الشعوب الى الثقافة الغربية، مستشهداً في إثبات هزيمة الغرب الأخلاقية بمبادرات سخيفة قامت بها دول ومجتمعات غربية من قبيل مصادرة معدات الآخرين والسطو عليها في منتصف الطريق، والهجوم على المحلات التجارية، وشراء السلاح إستعداداً للصدامات المحتملة، والتمييز بين المرضى في المستشفيات، والانتحار خوفاً من الموت وغيرها حتى قال أحد أعضاء مجلس الشيوخ في دولة أوروبية إن الغرب الوحشي قد عاد الى مسرح الحياة من جديد! ويضيف الإمام القائد أن هذا ما كنا جربناه نحن من خلال السلاح الكيمياوي الذي صدره الغرب ليستخدم خلال الحرب المفروضة ضد أبناء شعبنا وإخوتنا العراقيين، أو العمليات الإجرامية التي قامت بها أمريكا وحلفاؤها في منطقتنا.

ولا تغيب فلسطين عن خطابه حيث يقول إن البعض يدعي أن الكيان الصهيوني واقع لا مفر منه لتبرير التطبيع الخياني معه، ثم يتساءل الإمام هل كل واقع مهلك مضر يسكت الانسان عنه؟ وهل يمكن أن نبقى مكتوفي الايدي أمام واقع مقيت كالكورونا؟

وأخيراً، فإن الإمام القائد من خلال سيرته الداعمة وسياسته الثابتة في التأسيس لرؤية استشرافية علمية يدعو الى عملية بحث وتنظير علمية تستخلص النتائج والعبر لتوظيفها في مواجهة التغييرات البيئية والمجتمعية والحضارية التي قد يستغلها المستكبر لفرض هيمنته على عالمنا ومن إحتمال إعادة إنتاج هذا الفيروس في المستقبل، مؤكداً دور المجتمعات الإسلامية وقدرتها على مواجهته مهما تعقدت الظروف، كما يدعو الى ضرورة تدوين هذه التجربة، تجربة الجهاد العام العظيم، وذلك من خلال المؤلفات والخطابات والأعمال الفنية والدرامية وغيرها. وهذا ما يدل على رؤيته التربوية والتوعوية في تبديل كل تهديد الى فرصة، واستخلاص العبر والدروس من المحن والابتلاءات.

أكتفي بهذا القدر مما قدمته لكم أيها الاعزاء، وكان مقتبساً كله من خطاب الإمام القائد حفظه الله ورعاه، سائلاً المولى أن يكشف عن الأمة هذه الغمة. إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم: محمد مهدي شريعتمدار  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/2518 sec