رقم الخبر: 295031 تاريخ النشر: تشرين الأول 31, 2020 الوقت: 13:50 الاقسام: مقالات و آراء  
ثورة التحرير الجزائرية في الاول من نوفمبر 1954

ثورة التحرير الجزائرية في الاول من نوفمبر 1954

يحتفي الشّعب الجزائري هذه السّنة بالذكرى السّادسة والستين لاندلاع ثورته التحريرية المباركة التي تصادف الفاتح من نوفمبر من كل سنة، والتي تُعَدُ مناسبة يستذكر من خلالها الجزائريون بكثير من الفخر والاعتزاز، بطولات أسلافهم التي خاضوها على مدار سبع سنوات ونصف أثناء كفاحهم المسلح الذي أعلنوه ضد المستعمر الفرنسي الغاشم.

والذي كُلِّلَ في نهايته بنيل الحرية والاستقلال عن فرنسا التي خَّوَلَ لها تَعَنُتُها التَّوَهُم ببقائها على أرض الجزائر الطاهرة إلى الأبد.
انطلقت في الفاتح من نوفمبر من سنة 1954 أول رصاصة من ثنايا جبال الأوراس بمدينة باتنة الجزائرية مُعلنةً بدء الثورة المسلحة المجيدة ضد الآلة الاستعمارية الفرنسية المدججة بالسلاح والعتاد. ولم يأت إطلاق هذه الرصاصة الرافضة للاستعمار الفرنسي من العدم أو نتيجة لقرار متسرع، بل كان نتاج سنوات طويلة من العمل المضني، وقف عليه رجال أفذاذ آمنوا بعدالة قضيتهم وبأن الحرية تؤخذ ولا تعطى.
قاوم أبناء الجزائر وبناتها الاستعمار الفرنسي منذ الوهلة الأولى التي وطئت فيها أقدامه المدنسة بالجشع والظلم أرضهم الطاهرة في الخامس من جويلية 1830م، حيث اصطدمت السياسة الاستيطانية الفرنسية في جميع ربوع الجزائر، شمالها، غربها، شرقها وجنوبها خلال القرن 19م وبدايات القرن 20م بثورات ومقاومات شعبية شرسة قادها رجال أشاوس رفضا للسيطرة الأجنبية.
بحيث سجل التاريخ بأحرف من ذهب مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، والتي امتدت من 1832 إلى 1847 في الشمال والغرب الجزائري، وكذا مقاومة أحمد باي، في الشرق الجزائري من 1837 إلى 1848، ومقاومة الزعاطشة (بسكرة والأوراس-جنوب شرق الجزائر) بقيادة الشريف بوزيان التي ورغم قصر مدتها (1849-1848) إلا أنها أربكت العدو. كما خلد التاريخ اسمي لالة فاطمة نسومر والشريف محمد الأمجد اللذين قادا مقاومة شرسة في منطقة القبائل ما بين 1851 إلى 1857. كما تعتبر كل من مقاومة أولاد سيدي الشيخ، من 1864 إلى 1880، مقاومة الشيخ بوعمامة، من 1881 إلى 1883 ومقاومة التوارق بقيادة الشيخ آمود من 1916 إلى 1919 والتي كانت متفرقة عبر الجنوب الجزائري الكبير من أهم المقاومات الشعبية التي قادها الجزائريون لوقف الاحتلال الفرنسي.
ورغم بسالة المقاومين الجزائريين، إلا أن تفرق هذه الثورات الشعبية زمنيا وجغرافيا وتفوق فرنسا الاستعمارية بعدتها وعتادها ولجوؤها لسياسات قمعية يندى لها جبين الإنسانية كالإبادة الجماعية في حق أصحاب الأرض، مكنها بعد أزيد من قرن من إضعاف هذه الثورات وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني.
ساد بعدها اعتقاد لدى فرنسا التي أمعنت في الظلم والاستبداد في حق الجزائريين المسلوبة أراضيهم و المحرومين من أبسط حقوقهم المدنية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي راحت تصدر وتطبق السياسيات واحدة تلو الأخرى في محاولات يائسة لسلخ الشعب الجزائري عن هويته العربية المسلمة، أنها قمعت كل ثوراتهم الشعبية وأحكمت قبضتها على الجزائر والجزائريين إلى الأبد.
شهدت بداية القرن العشرين ظهور نخبة من الشباب الجزائري المثقف الذي انتهج أسلوبا جديدا في المقاومة ضد سياسات الاستعمار الفرنسي، فراح ينشر الوعي وأفكار الإصلاح الاجتماعي والديني وسط الجزائريين ويحيي الهمم انطلاقا من الجمعيات والنوادي والنشر في الصحف. وتعتبر"جمعية العلماء المسلمين" التي تأسست سنة 1931 تحت رئاسة العلامة عبد الحميد بن باديس، من أهم رواد التيار الإصلاحي.
 كما انتعشت في هذه الفترة الحركة الوطنية على الصعيد السياسي، فاتحة المجال أمام تكوين منظمات سياسية تمثلت في ظهور تيارات وطنية شعبية وتأسيس أحزاب سياسية، من أهمها، حركة الأمير خالد سنة 1919، حزب نجم شمال افريقيا سنة 1926، حزب الشعب الجزائري سنة 1937 وحركة انتصار الحريات الديمقراطية سنة 1946. وقد طالبت هذه الحركات الوطنية فرنسا في مرحلة أولى بتمتيع الجزائريين بحقوقهم، لترفع في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من سقف مطالبها، وتنادي بالاستقلال.
ورغم سلمية النضال السياسي الجزائري في هذه الحقبة التاريخية، إلا أن فرنسا جابهته، وكعادتها، بوحشية منقطعة النظير، وتعد في هذا الصدد مجازر 8 ماي 1945 م التي ارتكبها المستعمر الفرنسي في حق الشعب الجزائري الذي خرج في مظاهرات سلمية للتعبير عن قوة التيار الوطني المطالب باستقلال الجزائر، والتي خلفت أكثر من 45 ألف شهيد تم تقتيلهم جماعيا في أيام معدودات، الحدث المفصلي الذي رسخ قناعة تامة لدى الطبقة السياسية والشعب الجزائري على حد سواء بضرروة حمل السلاح ضد فرنسا من أجل إنهاء احتلالها الغاشم، و بأن ما أُخِذَ بالقوة لا يُسترَدُ إلا بالقوة.
 انطلق بعد هذه الأحداث التحضير الفعلي للعمل العسكري ضد الاستعمار الفرنسي. تطلب الأمر سنوات طويلة من الإعداد والتخطيط والبرمجة، إلى أن حلّ تاريخ الفاتح من نوفمبر 1954م، اليوم الذي تحدى فيه الشعب الجزائري بقيادة "حزب جبهة التحرير الوطني" وجناحها العسكري "جيش التحرير الوطني" تعنت وجبروت فرنسا التي استولت على ما لا تملك وأنهى 132 سنة من الاستعمار والبطش والنهب والظلم، استعمار رأى خلاله الشعب الجزائري الشجاع أبشع صور التنكيل والتعذيب والنهب والبطش والسرقة والاغتصاب والتجهيل والاستيطان.
ففي ليلة الفاتح من نوفمبر شن المجاهدون الجزائريون هجومات مسلحة ضد أهداف عسكرية فرنسية، توزعت خلالها العمليات على معظم أنحاء التراب الوطني حتى لا يسهل قمعها كما حدث لثورات القرن التاسع عشر بسبب تمركزها في جهات محدودة، ليتبع هذه الهجومات إصدار بيان "أول نوفمبر" الوثيقة التي شرح من خلالها مفجرو الثورة طبيعة تلك العمليات وحددوا هدفهم الأسمى المتمثل في تحقيق الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الجزائرية الحرّة.
"ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"، كان لهذه العبارة التي أطلقها البطل الشهيد العربي بن مهيدي، أحد مفجري ثورة نوفمبر، الأثر البليغ في مسار تاريخ الثورة التحريرية ونفوس الجزائريين المتعطشين للحرية، فقد التف الشعب الجزائري حول ثورته وتبناها صغيرهم و كبيرهم، نساؤهم ورجالهم، قاطني المدن والأرياف، معاهدين الله على التضحية دون تردد أو تقاعس و إلى آخر رمق حتى نيل الحرية و تحقيق الاستقلال.  
لقد خاض الشعب الجزائري الأعزل إلا من شجاعته و مروءته و إيمانه القوي، وعلى مدار سبع سنوات ونصف (1954-1962)، حربا قاسية وباهظة الثمن ضد أعتى القوى الاستعمارية آنذاك، فظل يقاوم شتى أنواع البطش من تقتيل وتعذيب وتنكيل واعتقالات تعسفية وتهجير، إلى غاية تحقيق النصر الذي تأتى بفضل الله وبفضل المقاومة الباسلة لأجدادنا، يوم 5 جويلية 1962، تاريخ إعلان استقلال الجزائر وهزيمة فرنسا وعودتها من حيث أتت، تجرّ ذيول الخيبة و الخذلان.
يعود الفضل في انتصار الجزائر التي أُطلق عليها لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد بعد هذه الملحمة التاريخية، إلى عوامل متعددة منها الداخلية ومنها الخارجية، غير أنه يكاد يكون تسلح الشعب الجزائري بالإيمان والصبر والتفافه حول قادة الثورة التحريرية ومساندته لهم وتقديمه تضحيات جسام في سبيل حرية الوطن أبرز العوامل التي قلبت موازين القوى وقادت نحو نجاح الثورة الجزائرية التي أصبحت قدوة لكل الشعوب المستعمرة في جميع بقاع العالم وجعلت الجزائر قبلة الثوار والحركات التحررية في العالم.
كما يرجع نجاح الثورة إلى تنظيمها المحكم على جميع الأصعدة وفي مختلف المجالات، فقد أثبتت ثورة نوفمبر أنها ثورة شاملة وكاملة، حيث تم الاهتمام بتنظيم مختلف جوانبها: العسكرية، السياسية، الدبلوماسية والإعلامية.
ثورة نوفمبر أعطت قدوة ومثالا للحركات التحررية في العالم بأسره وفتحت الباب على مصراعيه أمام الكثير من الثورات الاستقلالية في إفريقيا وآسيا لخوض غمار الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق الاستقلال والسلام والاحترام. ثورة نوفمبر هزمت أسطورة قوة المستعمِر وبرهنت على أنه إذا ما الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.
وبهذه المناسبة يقف الجزائريون كل سنة وقفة إجلال وإكبار ووفاء واحترام وتقدير لكل المجاهدين والشهداء الخالدين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الإقدام والتضحية في سبيل التغيير ونيل الحرية. بحيث دفع الشعب الجزائري المِقدَام، كلفة باهظةً، فأفدى بـ 10 ملايين شهيد جزائري على مدار 132 سنة (1962-1830) من المقاومة ضد فرنسا الاستعمارية في سبيل أن تحيا الجزائر حرّة، مستقلة.
واقتداءً بشجاعة أسلافهم، يرفع الشباب الجزائري اليوم صوته عاليا ليناشد ببناء جزائر جديدة منيعة تتحقق فيها، بإرادة الشعب، دولة المؤسسات ويسمو فيها الحق والقانون وتتبوأُ فيها الكفاءات الشابة مواقع المسؤولية لتحقيق النمو والازدهار.
واستجابة لهذه التطلعات المطالبة بالتغيير الجذري، فقد أعدّت السلطات الجزائرية مشروع تعديل دستوري، يرمي إلى إحداث قطيعة مع كل أشكال الانفراد بالسلطة، وهذا بتكريس النظام الديمقراطي القائم على التعددية السياسية والتداول على السلطة والفصل الفعلي بين السلطات وتوازنها وكذا بإدراج مواد تصون حقوق المواطن وتوسع وتثري مجالاتها من خلال تكريس حريات فردية وجماعية جديدة، وإعادة الاعتبار لمجتمع مدني حر ونشيط وترقية الديمقراطية التشاركية، عبر تشجيع مشاركة كل المواطنين دون إقصاء في رسم السياسات العمومية وتنفيذها. كما يمر تجسيد هذه المطالب عبر محاربة ظاهرة الفساد من خلال تعزيز آليات الوقاية منه ومكافحته.
يسعى هذا التعديل الدستوري أيضا لصون وحدة الوطن والنأي بالأمة الجزائرية عن الفتنة والعنف وعن كل تطرف وعن خطابات الكراهية وكل أشكال التمييز، من خلال ترسيخ القيم الروحية والحضارية التي تدعو إلى الحوار والمصالحة والأخوة في ظل احترام الدستور و قوانين الجمهورية.
كما ترسخ هذه المراجعة الدستورية المحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية التي تعمل على الحد من الفوارق الاجتماعية والقضاء على أوجه التفاوت الجهوي وتسعى لبناء اقتصاد منتج وتنافسي في إطار تنمية مستدامة.
وعلى المستوى الدولي، فيعمل مشروع هذا التعديل الدستوري على تمكين بلادنا من استرجاع مكانتها في المحافل الدولية لتُسمع مواقفها العادلة من جديد بشأن القضايا الدولية، خاصة تلك التي تهم المنطقة المحيطة بالجزائر وعمقها الجيواستراتيجي.
لقد كان هذا التعديل الدستوري المرتقب على رأس أولويات رئيس الجمهورية، السّيد عبد المجيد تبون ومنذ مباشرته لعهدته باعتباره "حجر الزاوية في تشييد الجمهورية الجديدة التي تصبو إلى تحقيق مطالب الشعب التي عبر عنها حراكه الأصيل المبارك".
ولِما لليوم المصادف لذكرى ثورة التحرير الجزائرية المجيدة من رمزية تاريخية عظيمة لدى الشعب الجزائري، وما يحمله من معاني الوفاء لرسالة الثورة والشهداء وكذا استقلالية القرار السياسي، فقد تم اختيار غرة نوفمبر، كموعد لعرض مشروع تعديل الدستور على الاستفتاء.
دامت الجزائر حرة مستقلة والمجد والخلود للشُّهداء الأبرار.
 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ سفارة الجمهورية الجزائرية في طهران
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1322 sec