رقم الخبر: 304702 تاريخ النشر: شباط 25, 2021 الوقت: 12:00 الاقسام: مقالات و آراء  
النقّاش.. في الجبهات وفي حلقات النقاش

النقّاش.. في الجبهات وفي حلقات النقاش

بالنسبة إلى أنيس النقاش، فإن الأصل ليس "من" أو "ما" أنت، وإنما "أين" أنت، أي موقفك وموقعك في اللحظات الحرجة والحاسمة.

لم يخامرني شكّ في أنّ المناضل والمفكر الكبير أنيس النقاش، حتى قبل ساعات قليلة من رحيله الكارثي والمفجع، سوف يجتاز محنة كورونا، فالرجل لم يكن عادياً، ولم يكن من المتصوّر أن يتمكّن فيروس مجهري منه فيرديه. وقد كنتُ وأصدقاء له، إلى جواره، في لحظاته الأخيرة، رحمه الله، لكن قَدَّرَ اللهُ وما شاء فعل.
كان أنيس النقاش ذا بصيرة نافذة وحدس ممزوج بيقين تاريخيّ بأنه يقف على الجانب الصحيح من التاريخ، ولم يكن صاحب فكر فحسب، وإنما صاحب همة وإرادة أيضاً، وقد اتضح ذلك - أي نفاذ بصيرته وحدسه - في أحلك اللحظات وأصعب المواقف في تاريخ المنطقة، ومنها موقفه من الحرب الأهلية في لبنان، والحرب العراقية - الإيرانية، وأزمات لبنان اليوم، والحرب في اليمن وسوريا وغيرها.
حضر أنيس النقَّاش في دمشق، في وقت كان بعض أبنائها يغادرونها، وشهد لحظات كالحة من الحرب فيها، ولم ينخرط في جوانبها السياسية والإعلامية فحسب، وإنما في جوانبها الأمنية والاستراتيجية أيضاً، وكان متفائلاً بأنَّ البلد لا بد من أن يسير في الاتجاه الطريق الصحيح، وأن إرادة المقاومة سوف تستعيده حراً موحداً سيّداً مستقلاً.
الاشتباك والتّشبيك
كان النَّقّاش رمزَ مقاومة وأيقونة كفاح. حضر في مختلف مناطق أو جبهات "الاشتباك" في الإقليم، كما كان يحبّ أن يقول، فقد حضر في لبنان وفلسطين والعراق واليمن وسوريا، كما حضر في غير مكان من المنطقة والعالم، ومن يشأ أن يَطَّلِع على جوانب من سيرته الاستثنائية وكفاحه الطويل، فليطالع ما أَسَرَّ به إلى صقر أبو فخر مثلاً في كتاب بعنوان "أنيس النقاش: أسرار خلف الأستار". ولعل الأهم هو التدقيق في ما قاله عنه الإسرائيليون والأوروبيون، وأيضاً ما قاله عنه بعض الحاقدين من العرب، إذ إن حجم وطبيعة الحقد والكراهية ضده يحيل إلى حجم وطبيعة الأثر الكبير والعميق الَّذي أحدثه أو صنعه.
لم يكتف النقاش بـ"الاشتباك" أو الصراع مع الأعداء، بل تَحَوَّل إلى كفاح من نوع آخر، وهو "التشبيك"، إذ جَهدَ في بناء جسور التواصل والاتصال بين أطراف أو فواعل خط المقاومة: سوريا وإيران ولبنان وفلسطين والعراق، وبين تلك الفواعل من جهة والإقليم والعالم من جهة أخرى. والحديث هنا ليس عن نظم سياسية ودول فحسب، وإنما عن مجتمعات وجماعات وأحزاب ومثقفين ومنتجين وغيرهم أيضاً. وكان ذلك هو "الرد الاستراتيجي الصحيح" من قبل الإقليم على أزماته، كما قال في محاضرة له في دمشق:
"أمام كلّ هذه التحديات الداخلية والخارجية، والضعف البنيوي الحضاري والسياسي والقانوني في بعض الأحيان، أصبح لزاماً علينا إيجاد استراتيجية متكاملة تجيب عن كل هذه التحديات بالشكل الأفضل والأمثل، لإعادة الوحدة الاجتماعية داخل كل قطر، وإعادة التوازن بين القوى الإقليمية، وردع القوى الخارجية عن استمرارها بالتلاعب بأمن الإقليم وبمصيره، والأهم التصدي للمشاريع الصهيونية التي تسعى للوصول إلى حالة من السيطرة الكلية على الإقليم بإضعافه وتفكيكه". (محاضرة في مركز دمشق للأبحاث "مداد"، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2018).
الإنسان الحرّ
قد لا نختار التحديات التي تواجهنا، لكنَّنا نملك حرية اختيار ردودنا عليها أو استجابتنا لها، بتعبير فيكتور فرانكل، أحد علماء النفس الناجين من أهوال الحرب العالمية الثانية، الذي يقول إنَّ المعنى في ما نقوم به يكمن في ثلاثة أشياء: في أن يكون في أوقات الأزمات أو التحديات، وفي الحبّ الذي نعطيه، وفي الشجاعة والإقدام إزاء ما نعانيه. صحيح أنَّ التهديد قد يفوق قدرتنا، لكن لدينا جميعاً خيار أن نعيش بكرامة، ومنا من يفعل ذلك حتى النهاية.

ولعلّ أصدق "ما" أو "من" ينطبق عليه هذا الكلام، هو المناضل والمفكر الراحل أنيس النقاش، الذي قرَّر أن يكون مقاوماً في لحظة تحدّ فائقة، ولم يكن مجرد مقاوم، بل قائداً من قادة المقاومة. وقد حضر في ساحات وجبهات عديدة، وفعل ذلك بكل محبة وتفانٍ، وبكل شجاعة وإقدام، وبكل يقين بأنَّ ما يفعله هو الصحيح. لم يختر ذلك لأنه الخيار الوحيد أمامه، بل كانت ثمة خيارات عدة، لكنَّها لم تكن من النوع الذي يروق له أو يرتضيه، ذلك أنَّ الحياة "وقفة عزّ"، والمقاومة هي قرار الإنسان السيد الحر أو "الإنسان الأعلى"، بتعبير نيتشه، في مقابل الإنسان الخاضع الذليل أو "الإنسان الأدنى".
أين أنت!
في لحظات المواجهة الكبرى، تتّضح معادن الرجال (والنساء)، والمعادن هنا ليست في "أصل" المرء أو المرأة، ولا في "منبته"، على أهمية ذلك، وإنما في ما "يصير إليه"، والحديث هنا عن المواقف والرهانات والتطلعات والسّياسات. وقد كشفت الحرب السّوريّة ومواجهات الإقليم ككلّ عن معادن الأفراد والجماعات، ومثّلت خطوط صدع حادة وكبيرة، إلى درجة يمكن معها القول إن الإقليم انتهى كما كنا نعرفه، ولا بدَّ من البحث عن قيامة جديدة له، كما يريد له أبناؤه، لا كما تريده قوى الهيمنة والاستتباع والذيلية السياسية.
وقد تحدّث الراحل النقاش عن مفكّرين كانوا في خط اليسار مثلاً، فأصبحوا في خط أميركا و"إسرائيل"، وآخرين كانوا في خط الوطنية فصاروا في خط أعدائها، وهو مما تحدثه أو تكشف عنه الحروب والمواجهات والمحن الكبرى. وبالنسبة إلى الراحل النقاش، فإن الأصل ليس "من" أو "ما" أنت، وإنما "أين" أنت، أي موقفك وموقعك في اللحظات الحرجة والحاسمة.
الحرب السورية
أدرك النقاش أنَّ الحرب السورية هي حرب للسيطرة على الإقليم، وأن سقوط سوريا يعني نهاية كلّ شيء، وهو ما يقتضي من السوريين وفواعل المقاومة في الإقليم أن يقوموا بكلّ شيء ممكن من أجل الدفاع عنها.
 وقد كان يؤكّد في لقاءاته ومشاركاته في العديد من مجموعات التفكير وحلقات النقاش في دمشق وغيرها أن أي سياسة لا تنطلق من دمشق ولا تتحرك في أفقها الوطني والإقليمي المقاوم، هي سياسة لا يُعَوَّل عليها، وأنَّ الفهم غير الدقيق أو المشوَّه للأمور يفضي إلى سياسات خاطئة أو مشوَّهَة، وبالتالي يفضي إلى الكارثة، وهو ما يجب تداركه، وأن تكاثف وتكاثر الضّغوط لا يجب أن يجعلنا نضيع البوصلة عن أصل الصراع في المنطقة، وهو "إسرائيل".
هكذا كان النقّاش واحداً من أهم الباحثين الذين أسهموا في قراءة الحرب السورية وقراءة قضايا المنطقة والعالم. كان مفكراً استراتيجياً عميقاً وذا بصيرة لا تُجارى، ولم تتغيّر بوصلته ولا يقينه، وواصل بثبات التأكيد أن الغرب وأميركا و"إسرائيل" سوف يُهزَمُون جميعاً في سوريا والإقليم، وأنَّ المستقبل لأصحاب الهمة والإرادة الحرة.
كان المناضل والمفكّر النَّقاش يكرّر في جلسات الحوار المتعدّدة التي كانت تجمعنا به في مركز "مداد" للأبحاث وفي غيره، الحديث عن "بعد ميتافيزيقي" في الحرب السورية وحروب الإقليم، ويقول إن قراءة الحرب وفق الحسابات والتقديرات التقليدية أو النمطية في السياسة لا تستطيع أن تفسر ما يجري، وإن التغيُّر أو التحوُّل في ميزان القوة وخرائط السيطرة في سوريا فيه "بعد إلهي مُعجِز".
رحيل أنيس النقاش خسارة كبيرة، إلا أنَّ العزاء يكمن في وجود من يواصل خطّ التّفكير وخطّ النّضال الذي استمرّ فيه إلى آخر لحظة من حياته.
 

بقلم: عقيل سعيد محفوض  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/0729 sec