رقم الخبر: 305038 تاريخ النشر: آذار 01, 2021 الوقت: 15:37 الاقسام: ثقافة وفن  
سعدي الشیرازي.. أشعاره مثال بارز للوحدة الحضاریة
معروف ببلاغته الفريدة فيها

سعدي الشیرازي.. أشعاره مثال بارز للوحدة الحضاریة

مشرف الدین بن مصلح الدین السعدي، ولد في مدینة شیراز حوالی عام580هـ. ومات عام691هـ. وقد وقع السعدي اثناء اقامته في بغداد تحت تأثیر الصوفي شهاب الدین السهروردي. وأما السعدي فهو الاسم الذي اشتهر به نسبة الی سعد بن زنکي حاکم شیراز.

سعدي الشيرازي شاعر إیراني شهير، أنشد الشعر بالفارسیة والعربية، وقدم سعدي الشیرازي نموذجا رائعا للوحدة الحضاریة بین الإیرانيین والعرب، وإن اکتشاف شخصیة سعدي الأدبیة ومعرفة مسیرته الکاملة للأثر العربي في ادبه لا یتحققان عند دراسة آثاره بالفارسیة فقط بل یحتاج الی دراسة نتاجه العربي الممثل في اشعاره العربية هو عرف بالتمازج الشدید والتداخل المستمر بین الثقافتین الاسلامیتین العربية والفارسیة وله في اشعاره بالعربية اغراض شتی کالمدح والوعظ والرجاء والرثاء و... هو یدرک جیدا مهمته الاخلاقیة والاجتماعیة والدینیة، اشعاره بالعربية تمیل الی الاوزان الموّاجة واعتمد في معظم قصائده علی البحور التي شاعت في العربية،کلام سعدي المنظوم سهل ممتنع ویخفي جمالیات کلامه في طیاته المنسوجة تحت زوایا مخفية جدا ویخلو کلامه من التکلف والتصنع، ومن ناحیة المفهوم والموضوع جدیر ان نلقبه بشاعر الانسانیة، لأنه سجّل تجاربه القیمة في السفر الی المناطق المختلفة للآخرین واستخدم ما اکتسبه من تتلمذه في مدارس البلدان العربية ومراکز تعلیمها وتجواله في سائر البلدان وسیاحته فيها وهوشاعر وادیب ومفکر کبیر وفي اشعاره نجد المحسنات البلاغیة کثیرة ویأتي في هذه المقالة نموذجا منها بعد ذکر ملخصا من حیاته وآثاره.

آثاره

بند نامه "کتاب العبر"، بوستان "البستان"، كلستان "الحدیقة"، قصائد سعدي، غزلیات سعدي، مراثي، هزلیات، مضحکات، مکاتیب، وغيرها.

الآثار الفنیة لفحول الشعراء لا تزال تحظی بقواسم مشترکة وهي تلک الخصائص التي تثیر الاعجاب عند المتلقي، وفي الاثر الادبي الممتاز لطائف وخفيات جمیلة ادبیة یکمن فيها سر الجمال وان لم تستطع المقاییس الادبیة الکشف عنها بصورة کاملة. «تتمیز النتاجات الشعریة الممتازة بالعلو والرفعة؛ ویکمن ذلک في ما لا یمکن تحلیله وتفسیره بسهولة»  وفائدة علم البلاغة کثیرة «منها تمییز الجید من الرديء والصواب من الخطأ. منها تذوق روائع الادب وتعرف مدی نجاح الادیب وتوفيقه؛ ومنها الاهتداء الی مخاطبة الاشخاص بما یلیق بحالهم؛ ومنها التعبیر عن المراد بحیث یبلغ قرارة نفس السامع والمخاطب»، ویقول الاستاذ احمد الشائب: «ان علم البلاغة نافع للادیب والناقد والمورخ، ولکل کاتب او متکلم او خطیب او مدرس. فإنه ینیر السبیل امام هولاء جمیعا، ویعینهم علی ان تکون آثارهم اللغویة مفيدة مؤثرة، ممتعة تغذي العقول والشعور والاذواق».

احدثت الدراسات الادبیة في الثقافتین العربية والفارسیة تیارا جدیدا في التحقیق والدراسة والبحث في تفاعل ثقافتي العرب والإیرانيین، واستنهضت همم الباحثین الجامعیین والادباء والشعراء المثقفين بوجه عام، لدراسة الصلات العمیقة والعریقة التي لم یسبق ان ربطت بین امتین،کما ربطت بین العرب والفرس.

قدم سعدي نموذجا رائعا للوحدة الحضاریة بین الإیرانيین والعرب، وما هو الا رمز من رموز وحدتنا الحضاریة، فمزجه بین اللغتین العربية والفارسیة هو من مظاهر اهتمامه بهذه الوحدة، وفضلا عن خطابه الذي یتجاوز حدود الزمان والمکان، واستطاع ان یقدم النموذج الرائع للإمتزاج الحضاري بین هاتین الأمتین.

کلام سعدي سهل ممتنع ویخلو من التکلف والتصنع خلافا لما نشاهده في آثار غیره من الشعراء، وإذا امعنا النظر في سهولة اسلوب سعدي، نراه استعمل امکانیات شعریة موسعة انتجت شعرا رقیقا راقیا، بحیث اعتنی الشعراء به وتطلعوا الی تقلیده ولکن الحظ لم یحالفهم. یقول الدکتور شفيعي کدکني عن الشعر: «الشعر هو عملیة تشابک وتداخل بین العاطفة والخیال في لغة موسیقیة موحیة».

قد اعتمد الشاعر علی البحر الطویل والبسیط والکامل والخفيف و....

من البحر الطویل: تعذر صمت الواجدین فصاحوا     ومن صاح وجدا ما علیه جناح

من البحر الکامل: ملک الهوی قلبي وجاش مغیرا        ونهی المودة ان اصبح نفيرا

یقول الشاعر في هذه القصیدة: ما جره علیه الهوی من تغییر في حیاته، وما یکابده من عناء في سبیل الوصول الی حبیبته، فجوانحه تشتعل نارا،ومعالم الحبیبة تلمع امام مقلتیه نورا، فکیف لا یکون بعد ذلک اسیرا، فهذا المضمون بحاجة الی وزن مواج حتی یشعر المتلقي بما یموج في قلب الشاعر من احاسیس وعواطف مشبوبة.

ومن البحر البسیط: مادام ینسرح الغزلان في الوادی     احذر یفوتک صید یا بن صیاد

الموسیقی الداخلیة

فالإفادة من الموسیقی بأنواعها المختلفة ولا سیما الداخلیة تأتي علی قدر موهبة الشاعر وذوقه وقریحته؛ فسعدي الشیرازي تمکن من استخدام هذه التقنیة بصورة فنیة اکسبت شعره جمالا ورونقا.

جناس تام :تسألني عما جری یوم حصرهم    وذلک مما لیس یدخل في الحصر

جناس غیر تام: کان جفوني عاهدت بعد بعدهم       بأن لم تزل تبکي اسی بتابت

ونجده یصوّر الموت بصورة بلاغیة رائعة، فيقول:

جناس غیر تام: ادیرت کؤوس الموت حتی کانه         رؤوس الأساری ترجحن من السکر

شبّه القدر بالساقي، وساحة الحرب بالحانة، والمنیة بصهباء تصب في کووس للشاربین من الشهداء، وها هو القدر یقوم بدور الساقي فيدور علی الثملین الشاربین بکووس المنایا وهو تشبیه بلیغ في صورة رائعة، ولا یکتفي سعدي بهذا القدر ولا یقف عند هذا المستوی الفني، بل یکاد الا یقدر علی ایقاف جماح نفسه الحزینة وتدفق مشاعره الفياضة بالانین والاسی والحزن والالم، فيبالغ في تکوین الصورة الشعریة، ویقرر ان الأساری قد انتشوا بما سکروا، فراحت رؤوسهم تتأرجح علی اجسادهم من شدة الثمالة وسورة الخمر التي اخذت بالرؤوس فترکتها تهتز وتتارجح.

الموازنة: طربت وبعد القول في فم منشد       سکرت وبعد الخمر في ید ساکب

رد العجز علی الصدر: منازل سلمی شوقتني کآبة      وما ضر سلمی ان یحن کئیبها

الموسیقی المعنویة

وهذه الموسیقی الشعریة بما فيها من مظاهر فنیة ظریفة لاتهمل عند الترجمة من لغة الی اخری، بل تنتقل بکل خصائصها المعنویة التي تضمنتها في لغة المبدا.

ان ذروة الإبداع عند سعدي تکمن في هذه الصناعة، فبها یبدو التناسق المعنوي بین الالفاظ حیث تتکون من خلاله الموسیقی المعنویة والتي تدل علی براعة الشاعر في انشاء نسق موسیقی خاص دون ادنی تعقید في المعنی، بحیث یضفي علی کلامه جمالا یستشعره المتلقي عند سماعه او قراءته.

یوجد في اشعاره من محسنات علم البدیع «هوعلم یعرف به الوجوه والمزایا التي تزید الکلام حسنا وطلاوة، وتکسوه بهاء ورونقا، بعد مطابقته لمقتضی الحال»، «وعناصر البلاغة: لفظ، ومعنی، وتألیف للألفاظ یمنحها قوة وتأثیرا وحسنا، ثم دقه في اختیار الکلمات والأسالیب علی حسب مواطن الکلام ومواقعه وموضوعاته وحال السامعین والنزعة النفسیة التي تتملکهم وتسیطر علی نفوسهم».

ومن اهم مصادیق الموسیقی المعنویة عند سعدي مراعاة النظیر وهي الجمع بین امرین اوامور متناسبة لا علی جهة التضاد:

علی ظاهري صبر کنسج العناکب            وفي باطني هم کلدغ العقارب

سعدي عندما اراد ان یعبر عن حالته النفسیة جمع بین العنکبوت، واللدغ والعقرب علی جهة المناسبة، فبهذا المناسبة رسم الشاعر صورة بصیرة مهیبة تنبیء عما یحسه من هم وغم في باطنه.

وعیبني في حبهم من به عمی         وکي صمم عما یحدث عائبي

والمراعات في هذا البیت نشأ عن الجمع بین العمی والصمم،فالعمی للعجائب والصمم للعاشق، فالبیت یتضمن موسیقی تصویریة مصاحبة للمواقف الانفعالیة التي تعبر عنها الشاعر.

ومن مظاهر الموسیقی المعنویة الطباق او التضاد، وقد اعتمد سعدي علی هذا النوع من المحسنات کثیرا، فمنه قولک:

ومن ذا الذي یشتاق دونک جنة    دع النار مثواي وأنت معاقبي

لعمرک ان خوطبت میتا تراضینا      سیبعثنی حیا حدیث مخاطبي

ومن المحسنات البدیعیة التي لها الاثر البارز في تکوین الموسیقی المعنویة حسن التعلیل. ویتحقق ذلک عندما ینکر الشاعر علة الشيء المعروفة ویاتي بعلة ادبیة طریفة لها اعتبار لطیف، ومشتملة علی دقة النظر بحیث تناسب الغرض الذي یرمي الیه.

ومن الامثلة علی ذلک عند سعدي قوله:

وهذا کتاب لا رسالة بعده            لقد ضج من شرح المودة کاتبي

اهذا هلال العید ام برقع             تلوح جباه العین شبه اهلة

ویبدع في بیت آخر: ولو کان کسری في زمان حیاته    لقال الهي اشدد بدولته ازري

وفي البیت مبالغة واقتباس من قوله تعالی«اشدد به ازري» اي ظهري، والمراد القوة، وهي عبارة عن جملة دعائیة ویؤکد علی عجزه لتصویر تلک المأساة وسردها  کاملة، فيشبه شعره بالسمط الذي یحتوي علی الحجر الکریم والبخس معا فيقول:

 ففي السمط یاقوت ولعل وحاجة             وإن کان لي ذنب یکفر بالعذر

النتیجة

بإلقاء نظرة عاجلة علی قصائد سعدي العربية یتضح لنا ذلک الارتباط الوثیق بین الوزن والمضمون من جانب وبین طبیعة اللغة الفارسیة والعربية في الافادة من البحور الشعریة من جانب آخر. وإذا نظرنا الی الشعر العربي وجدناه في طبیعته یمیل الی الاوزان المواجة، مما یعلل توظیف الشاعر لمثل هذه الاوزان في القسم العربي من اشعاره.وقد اعتمد الشاعر في معظم قصائده علی البحور التي شاعت في العربية دون الفرسیة کالطویل والبسیط والکامل و...استخدم سعدي ما اکتسبه في مدارس البلدان الاخری وتجواله في سائر البلدان وسیاحته فيها،وقد استخدم من الامثال والاقوال المأثورة في ابیاتها الشعریة، فقوله «شعثا غبرا» تعبیر عربي معروف، یقال: جائک الناس شعثا وغبرا.

ولم یکن سعدي في صف الحکماء، بل هو ادیب شاعر له درجة من الفضل والتامل الفکری، والمصدر الاساسي لحکمته هو تجربته والالهام، والحقیقة ان شانه هنا شان غیره من شعراء ایران من ذوي اللسانین علی مدی العصور الادبیة الاسلامیة التي عرفت بالتمازج الشدید والتداخل المستمر بین الثقافتین الاسلامیتین العربية والفارسیة، وهکذا نجد ان غایات سعدي من الشعر کثیرة، وهو جدیر بلقب شاعر الإنسانیة فقد عبر عن الانسان بکل ما یحمل من متناقضات، وجرب الحیاة، وراح یسجل لنا تجربة الاعوام الطویلة.

 

بقلم: مقصود عباسي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1698 sec