رقم الخبر: 317712 تاريخ النشر: نيسان 13, 2021 الوقت: 15:20 الاقسام: ثقافة وفن  
رمضان.. شهر الفضائل والرحمة
فيه ليلة القدر خير من ألف شهر

رمضان.. شهر الفضائل والرحمة

*قال الإمام الخميني (رض): " ان شاء الله تدخلون شهر رمضان المبارك بسلامة نفس وتجدون أنفسكم فيه، في ضيافة الله تبارك وتعالى، وترون الله مضيفكم الحاضر، ولو اردتم التجاسر -لا سمح الله- على أحد، فلتفهموا أنكم انما تتجاسرون على عبدالله في محضر الله، وإذا استغبتم احد المؤمنين، فلتعلموا بأنكم تستغيبونه في محضر الله، وطبقاً للروايات، فإنّ اعمالكم تعرض على رسول الله (ص)".

الوفاق/ قد تمر على الإنسان، لا سيما الإنسان المسلم، فترة أو برهة من الزمن لا يدرك كيف جاءت وكيف مرّت عليه وانتهت بلا رجعة! وهو يأمل أن تحدث ثانية للذة شعر بها خلال مرورها، او لا يأمل، لما عاناه في تلك اللحظة من ألم واضطراب!، ومهما كان ذلك، فهذا المخلوق الذي اراده الله تعالى، وهكذا حدث أن يكون اشرف ما وُجد على وجه الأرض، لو رجع الى نفسه هُنيهة أو ثوان، لَعلم حقيقة الوجود والحياة والكائنات، التي تُسبّح ليلاً ونهاراً، وهي في صلاة دائمة، بل وركوع وسجود دائمَين، وعرف كنه ماهيته وخلقه وتواجده على الأرض منذ الأزل الى يومنا هذا، فَسرّ الوجود، وجود الانسان بذاته وبما أودعه الخالق جل جلاله في غياهب بدنه من جوارح وجوانح، وقد أشار سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة الى تفاصيل ذلك واحداً فواحداً، لأنّ ادراك الحقيقة، وإزالة ما يعتريها من غبار، ليس فقط اقتراب الفرد العبد من معبوده، وخالقه وربه، بل و(ربما) وصوله الى الصراط المستقيم الذي يدعو الانسان ربه، ملتمساً بالهداية اليه، في كل صلاة يرفعها الى بارئ النسم تعالى، مستغيثاً به لطي الحياة الدنيا، بما فيها من تعرّجات واعوجاجات، ونعرات هنا وهناك تلف مسارها، وتختطف الأبصار، وقد اضاء الله تعالى له الطريق وما ينشعب منه، حيث قال عز وجل: "إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا"، (الإنسان/3(

فقد وضح المسير والمسار وعلى هذا المخلوق المتحلّي بالعقل والمنطق، أن يختار الرافد الأوفى، منتهل الملائكة والصالحين، أو بؤرة السعير، مشرب الشياطين وأقزامهم من الرجال والنساء، فـ "يا أيّها الإنسان انّك كادح الى ربّك كدحاً فملاقيه"، (الإنشقاق/ 6)، تسعى اليه، متحملاً مصاعب جمّة ومتجاوزاً طرقاً وعرة بما فيها من أغوار وأنجاد، للوصول الى المراد وما ادراك ذلك!

انّه الحقيقة كما هي، خالصة بما تحتويه وتضمّه، بل السعادة بكل ما تحمله من معنى، وحبل الوصال الذي تتشبث به، تختبر به نفسك بنفسك، في هذا الحقل، هو شهر رمضان الكريم الفضيل، فإن اجتزته بسلام، وأنت اعرف بذلك، فقد فزت، وفوزك هذا، بداية تنقية النفس ومعرفة الوجود، اذا ما استطعت الحفاظ على صيامك وقعودك وقيامك، وصيانة ذلك "من شرّ الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" (الناس/ 4و5و6)،فهذا الشهر الأغر، الذي جعله الله جل جلاله وسيلة للعبد، للتقرب الى الملكوت الأعلى، ونفض الغبار عن الروح المـُودعة في الإنسان، وإزالة الصدأ عنها، وتطهيرها من الدنس، شهر قلّما يضاهيه احد الشهور، لأنه اكتضّ بالأحداث منذ بزوغ الإسلام وقبيل انتصار المسلمين وفتح مكة، الى العصر الذي نعيش فيه، فقد وقعت في السابع عشر منه، في العام الثاني للهجرة (13 آذار 624م) غزوة بدر، بين المسلمين بقيادة الرسول (ص) وقبيلة قريش وحلفائها، بقيادة عمرو بن هشام المخزومي القرشي، وانتهت بانتصار المسلمين الباهر، ومهّدت الطريق للفتح المبين الذي وقع في العشرين منه في السنة الثانية للهجرة أيضاً، ونزول القرآن الكريم، وليلة القدر التي هي " خير من ألف شهر" (القدر/ 3)، واستشهاد اميرالمؤمنين (ع) اسدالله الغالب، في الحادي والعشرين منه على يد شقي، متحجر، قاده فكره الظلامي المتعفّن الى اغتيال ركن رفيع من اركان الهدى، ولا تزال تداعيات استشهاده، ومناجاته في مسجد الكوفة، تصمّ الأسماع لحد الآن، حدث ذلك في السنة الأربعين للهجرة، وله (ع) ثلاث وستون سنة، ورد عن الإمام الباقر (ع): "انّ الإمام علي (ع) قال في وصيته: "أن اخرجوني الى الظُهر، فإذا تصوبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني، وهو اول طور سيناء".. ففعلوا ذلك" (تهذيب الأحكام/ ص 6 و34/ الظَهر: احد أسماء النجف الأشرف)، فالحادثتان العظيمتان أي ليلة القدر ونزول القرآن فيها، وشهادة مولى المتقين وإمام الصالحين وأمير المؤمنين علي بن ابيطالب (ع)، غيّرت مسار التاريخ الإنساني برمّته، وخاصة التاريخ الإسلامي، وأنارت للبشرية جمعاء، طريق الهدى والسعادة الأبدية، ولا غير ذلك، فليلة القدر اضافة الى أنها ليلة تنزيل القرآن، "انا انزلناه في ليلة القدر" (القدر/7)، هي ليلة مباركة، فيها الفصل والتقدير، "تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر" (القدر/4)، والسلام "سلام هي حتى مطلع الفجر" (القدر/5)، والغفران.

عن النبي (ص): "من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه" (رواه البخاري في صحيحه)، وروي عن ابي عبدالله الصادق (ع) قال: "فغرة الشهور، شهر الله (عز ذكره) وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر" (الكافي / ج 4/ص 66).

توالت الأحداث التي غيّرت مسار التاريخ الإسلامي، بشكل عام في شهر رمضان الفضيل، ففي الثاني منه في عام 114 هـ . ق، وقعت معركة بلاط الشهداء الشهيرة، في بواتييه، بفرنسا، بين المسلمين بقيادة عبدالرحمن الغافقي، والفرنجة بقيادة شارل ماريل، وفي الرابع منه، عام 666هـ.ق (1268م)، نجح المسلمون بقيادة الظاهر بيرس، باسترداد مدينة أنطاكية من الصليبيين، بعد احتلال لمدة 170 عاماً!، وفي السادس منه، في سنة 223 ه.ق، جهّز الخليفة العباسي المعتصم، جيشاً لحرب الروم، استجابة للصرخة الشهيرة لإحدى النساء المسلمات التي صرخت (وا معتصماه)، فحاصَر عمّوريّة، الى ان سقطت ودخلها المسلمون في السابع عشر من رمضان، في العاشر منه وفي تاريخنا الحديث، هاجمت مصر وسوريا، بعد عبور قناة السويس، الكيان الصهيوني، محطمة بذلك خط بارليف، فخر التحصينات الصهيونية، وقامت عدة دول عربية نفطية بوقف تصدير النفط الى أمريكا، عقب ذلك في 21 اكتوبر 1973م، وفي العشرين منه في السنة الثامنة للهجرة، حدثت معركة "حطين" التي انهت الوجود الصليبي في المشرق، بقيادة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، وفي الخامس والعشرين منه عام 658 هـ.ق، ادّت معركة "عين جالوت" بين سلطان مصر "سيف الدين قطز" والمغول، الى انحسار نفوذ المغول في بلاد الشام نهائياً.

هذه ومضات ساطعة مما حدث في شهر رمضان المبارك، وأعطى قوة ومنعة أكثر للإسلام والمسلمين، فليعتبر المسلمون بذلك لإن فيه مجد وعظمة الأمة الإسلامية ، فالشهر الأغر جدير، بل وأكثر ، مما نقدمه له ونحتفي به وبمقدمه...

قال الإمام الخميني (رض): " ان شاء الله تدخلون شهر رمضان المبارك بسلامة نفس وتجدون أنفسكم فيه، في ضيافة الله تبارك وتعالى، وترون الله مضيفكم الحاضر، ولو اردتم التجاسر -لا سمح الله- على أحد، فلتفهموا أنكم انما تتجاسرون على عبدالله في محضر الله، وإذا استغبتم احد المؤمنين، فلتعلموا بأنكم تستغيبونه في محضر الله، وطبقاً للروايات، فإنّ اعمالكم تعرض على رسول الله (ص)" (صحيفة الإمام العربية/ج2/ص 364).

انّ المتصفح كتاب شرح دعاء السحر لسماحة الإمام الخميني (رض)، يرى بوضوح المنزلة الرفيعة التي حظي بها سماحته، وهو في عنفوان شبابه، فقد قام بذلك عام 1347 هـ.ش، وهو في السابعة والعشرين من عمره، والدعاء المذكور كما رُوي عن مصادر موثوقة، رفيع في كل حرف وكلمة من حروفه وكلماته، فقد نُقل عن أيوب بن يقطين انه كتب الى ابي الحسن الرضا (ع)، يسأله ان يصحح له هذا الدعاء، فكتب اليه: نعم وهو دعاء ابي جعفر (ع) بالأسحار في شهر رمضان.. قال ابوجعفر (ع): "لو يعلم الناس من عظم هذه المسائل عند الله وسرعة إجابته لصاحبها، لاقتتلوا عليه ولو بالسيوف، والله يختص برحمته من يشاء" (عن رضي الدين بن طاووس في كتابه "اقبال الأعمال")، ومما قاله الإمام الخميني (رض) حول الدعاء المذكور: "رأيت ان الدعاء المشهور، الموسوم بالمباهلة، المأثور من الأئمة الأطهار للتوسل في الأسحار، الى نور الأنوار، من أجلّ الأدعية قدراً وأرفعها منزلة لإشتماله على الصفات الحسنى الإلهية والأمثال العليا الربوبية، وفيه الإسم الأعظم، والتجلّي الأتم الأقدم، فأردت أن أشرحه من بعض الوجوه بمقدار الإستعداد، مع قلة الباع وقصور الإطلاع، ولكن أقول وبالحق أقول:

جاءت سليمان يوم العيد قبّرة            أتت بفخذ جراد كان في  فيها

ترنّمت بفصيح القول واعتذرت        إن الهدايا على مقدار مُهديها"

 (في تمهيد لكتاب شرح دعاء السحر).

فعلى الإنسان، هذا المخلوق التائه، الحائر، المغرور، العودة الى الطريق القويم، وانتهاز شهر رمضان المبارك، جاثياً على اعتابه، ممرّغاً خدّيه بالتراب، ومُعفّراً وجهه تائباً كعبد آبق.. ومريد هائج، عليه العودة الى مولاه وراحمه ومنتهى رجاه..

"يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم" (الإنفطار/6).

وهذا ابن درّاج القسطلي (347-421 هـ.ق)، الذي قال عنه الثعالبي: "كان في الأندلس، كالمتنبي بالشام"، يُنشد لـ "رجب، وشعبان، ورمضان":

فلئن غنمت هناك امثال الدُمى           فهنا بيوت المسك فاغنم وانتهب

تُحَفاً لشعبان جلا  لك وجهه              عوضاً من الورد الذي اهدى رجب

فاقبل هديته فقد وافى بها                قدراً الى أمد الصيام اذا وجب

واستوف بهجتها وطيب نسيمها       فإذا دنا رمضان فاسجد واقترب     

 

 

بقلم: د. سيد محمود خواسته  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1040 sec