رقم الخبر: 320721 تاريخ النشر: أيار 19, 2021 الوقت: 15:37 الاقسام: مقالات و آراء  
"سيف القدس".. عن غزّة التي ستبتلع الكيان

"سيف القدس".. عن غزّة التي ستبتلع الكيان

تلقّت "إسرائيل" ضربة قاسية من المقاومة مع انطلاق أول صواريخها، بحيث اتخذ العدو قراراً بتجميد مناورة تحاكي القتال في عدة جبهات، غزة واحدة منها، ولعلها الجبهة الأصغر.

بعد تحرير جنوبي لبنان عام 2000 وانتصار المقاومة على "إسرائيل" في حرب عام 2006، أدرك الإسرائيليون أن الجبهة الشمالية باتت مكلفة جداً، فاتجهوا جنوباً بحثاً عما يرمّم هيبتهم ويردّ اعتبارهم. آنذاك، لجأ العدو إلى ثلاث جولات من العدوان على غزّة: "الرصاص المصبوب" (2008)، و"عمود السحاب" (2012)، و"الجرف الصامد" (2014). وخرجت المقاومة منها، بالمعنى العسكري لحروب الدول ضدّ المنظمات، منتصرةً. لم تُسجّل أي هزيمة لأهدافها. إلاّ أن تلك الانتصارات لم تحمل في طياتها أبعد من تثبيت معادلة ردع ضدّ الإسرائيلي.

قبل أيام، أقحمت "إسرائيل" نفسها في أتون حرب غير محسوبة. كان للعنة التوقيت حصّة أيضاً في عملية "سيف القدس". إذ إن "إسرائيل" تعاني أزمة سياسية هي الأصعب منذ نشوئها (أربع عمليات انتخابية لم تفلح في تشكيل حكومة)، واختارت التصعيد في الوقت الخطأ (شهر رمضان المبارك وليالي القدر)، والمكان الخطأ (القدس المحتلة)، والظرفين الإقليمي والدولي الخطأ. فمحور المقاومة في أوج قوّته، من إيران إلى اليمن، وأميركا على خطى العود إلى الاتفاق النووي تحت السقف الإيراني، فضلاً عن إعادة انتشارها السياسي، قبل العسكري، في المنطقة، بما هو خلاف الهوى الإسرائيلي. "سيف القدس" اليوم هي أكبر من جولة وأمضى من معادلة ردع، بما تختزنه حتى الساعة من تطورات، لم نعهد معظمها من قبل، وبأبعاد استراتيجية أحدثت تصدعات ذات تداعيات وجودية على الكيان.

ميدانياً، تلقّت "إسرائيل" ضربة قاسية من المقاومة مع انطلاق أول صواريخها، بحيث اتخذ العدو قراراً بتجميد مناورة تحاكي القتال في عدة جبهات، غزة واحدة منها، ولعلها الجبهة الأصغر. فتحولت المناورة إلى "تسيير أعمال حرب" مع غزّة وحدها، بما يحمل ذلك من دلائل عسكرية ترقى إلى مستوى الفضيحة. بداية ضربات المقاومة تلك كانت هذه المرة "تل أبيب"، وهذا تحوُّل جذري في سلّم العمليات العسكرية التي كانت تتصاعد لتنتهي بهذه المدينة المحتلة. بالإضافة إلى ذلك، شهدت الأيام الفائتة تطوراً لناحية غزارة الصواريخ ودقتها ومداها، وهي ثلاثة، بحيث بلغ المدى حتى الآن 250 كيلومتر، مع تحقيق إصابة للأهداف لم نعهدها من قبل. وكان مغزى الغزارة وتقنيات الإطلاق إرباك عمل "القبّة الحديدية"، التي أسقطت، في أحسن حالاتها، 30% من صواريخ المقاومة. وللسخرية، فإن بعض صواريخ القبة لحقت بصواريخ المقاومة لترافقها حتى نقطة الاستهداف، فتضاعفت القوة التدميرية. والجدير ذكره أن مجموع ما أُطلق من غزة خلال الساعات الـ 48 الأولى، تخطّى 1400 صاروخ، في حين أن مجموع ما أطلقه حزب الله خلال حرب لبنان الأخيرة التي دامت 33 يوماً لم يتخطَّ 5000 صاروخ. يضاف إلى ذلك دخول المقاومة الميدانَ السيبراني، محقِّقةً اختراقات اعترف بها العدو، على صعيد منظومات التحكم والاتصال، واستخدامها المُسَيراتِ المفَّخخةَ، وتكبيد العدو خسائر متعددة. وأخيراً، وليس آخراً، ردع العدو، أقلها حتى الساعة، عن القيام بعملية برية ضدّ القطاع.

أمّا في البعدين الاجتماعي والنفسي، فإن أبرز ما يمكن تسجيله، هو الانتفاضة التي نفّذها فلسطينيو الـ 48 في عدد من مدنهم الكبيرة، ليصل الحديث عن تحرير - ولو موقت - لمدينة اللُّد، الأمر الذي أحدث صدمة كسرت جدار الثقة الذي عملت "إسرائيل" على بنائه طوالَ عقود خلت، بين ما تسميه "عرب إسرائيل" والمستوطنين، وأعادت فرز مجتمع "الدولة" من جديد بين فلسطينيين ومستوطنين. فساعات من المقاومة داخل تلك المناطق أعادت عقارب الساعة إلى العام 1948، كاسرةً الحاجزَ النفسي لدى الفلسطينيين، وضاربةً كلَّ أمل في الأمان لدى المستوطنين، فضلاً عن أنها مؤشر سلبي جداً لكل يهودي يفكر بعد الآن في ترك أوروبا أو أميركا وغيرهما من البلدان، للاستيطان في فلسطين.

من ناحية أخرى، جيل الانتفاضة والمقاومة الحالية، سواءٌ في الداخل الفلسطيني أو في المحيطين العربي والإسلامي الداعمين، هو جيل الشباب الذي عايش مرحلة تحرير عام 2000، وانتصار عام 2006 في لبنان، وانتصارات غزة (2008 و2012 و2014) في فلسطين، وهزيمة تنظيم "داعش" في المنطقة. والأهم من ذلك بداية الخروج الأميركي منها. وهو جيل مهيأ نفسياً للانتصارات. لم تمسَّه عُقَد الانهزامية التي سيطرت على جزء كبير من أجيال النكبة والنكسة، وجيل الانتصارات الذي تخطى مرحلة الانكسارات، والذي لن يقبل بالهزيمة بعد الآن.

سياسياً، خسرت "إسرائيل" جهود سنوات طويلة، وأموالاً طائلة، في محاولة شقّ وحدة الصف الإسلامي (السني – الشيعي)، بعد أن تكاتف الاثنان معاً في الأيام الماضية أكثر من أي وقت مضى. وكانت عملية "سيف القدس" دافعاً غير مسبوق إلى رمي الخلافات والسير في اتجاه وجهة واحدة وبوصلة واحدة. ولعلّ أبرز ما يمكن رصده، ويشكل تمايزاً عن كل الحروب السابقة، هو السلوك الأميركي الذي ينحاز دائماً إلى "إسرائيل"، إذ إنه، لأول مرة، استخدم مفردات لم يستخدمها قطُّ تجاه الفلسطينيين، وتستحق التوقف عندها، باعتبارها مؤشراً على جدوى قوة المقاومة. فلقد ورد، على لسان الناطق باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، أسفه لـ"سقوط قتلى، بما في ذلك الأطفال في الجانب الفلسطيني"، كما قال إن الأميركيين طلبوا "معاملة سكان حي الشيخ جراح باحترام". يوماً ما، قال إسحق رابين "أتمنى أن أصحو وأجد البحر قد ابتلع غزّة". التاريخ لا يرحم سوى الأقوياء، ويبدو واضحاً، مما تقدّم، أن مسار الأحداث هذه المرة يؤسّس مرحلة سيكون فيها "سيف القدس" قاطعاً بالتحرير.. وغزة هي التي ستبتلع الكيان.

 

بقلم: وسام ناصيف ياسين  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/7116 sec