رقم الخبر: 339267 تاريخ النشر: أيلول 19, 2021 الوقت: 14:20 الاقسام: مقالات و آراء  
"نفق الحرية" وأثره الأشمل كعملية نضالية

"نفق الحرية" وأثره الأشمل كعملية نضالية

يبدو من مسار الأحداث وردود أفعال المقاومة أنَّها باتت تسعى لتوفير "شبكة أمان" لأي تحركات شعبية مستقبلية في الضفة الغربية يمكن أن تتصاعد لتصير انتفاضة ثالثة كاملة.

تعدّ عمليات انتزاع الحرية من المعتقلات، ولا سيما الصهيونية منها، من أعقد العمليات النضالية، إذ تتم في ظروف معقّدة للغاية؛ فمِن لوازمها توفّر القدر العالي من الكتمان والسرية، لكونها تنفَّذ في بيئة تخضع لرقابة صارمة ومستمرة على مدار الساعة، ويلزمها خيال واسع من قبل المنفِّذين ليجترحوا الحلول، في ظلّ شح الموارد والأدوات المتاحة لهم. وقبل هذا وذاك، تحتاج إلى صبر ومثابرة منقطعي النظير مع إيمان قوي بالنجاح. وقد تجلّت هذه المعطيات في عملية انتزاع الأسير محمود العارضة و5 من رفاقه حريتهم من معتقل جلبوع الصهيوني الشديد الحراسة في 6 أيلول/يوليو.

سيسلّط هذا المقال الضوء على كون عمليات انتزاع الحرية عمليات نضالية، إذ تسري عليها المعادلات نفسها التي تسري على سائر عمليات المقاومة ومفاعيلها وآثارها في مشروع التحرر الذي تحصل عمليات المقاومة في سياقه.

وإضافةً إلى الكثير مما يمكن أن يقال في أسلوب عملية "نفق الحرية" النضالية، كما بات يصطلح عليها، يكون من المفيد وضعها ضمن المرحلة التي حصلت فيها، إذ وقعت هذه العملية في أجواء احتقان حقيقية تجتاح كل الأراضي المحتلة في الضفة، وكذلك في الأراضي المحتلة العام 1948؛ هذا الاحتقان الذي يمكن أن يتحول إلى انتفاضة شاملة في أي لحظة.

وقد جاء هذا الإنجاز أيضاً عقب عدة إنجازات أخرى للمقاومة الفلسطينية، ولا سيما إنجاز "سيف القدس". هذه الإنجازات أعادت تنشيط "الوعي الجمعي" الفلسطيني، ليعود الحديث عن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ويتصدر خطاب الشارع العام، بعد أن كانت خديعة "أوسلو" قد نجحت في إقناع شرائح واسعة من الفلسطينيين بالسراب المسمّى "حل الدولتين". أعادت هذه الإنجازات كذلك إحياء الأمل في نفوس الفلسطينيين بالتحرير، وعززت الثقة بقدرتهم عليه، بعد أن كان اليأس قد تسرب إلى بعض النفوس خلال سنوات "أوسلو" العجاف.

يمكن رصد أثَر عملية "نفق الحرية" في عمليات إطلاق النار التي أعقبتها ضد بعض حواجز الاحتلال في الضفة الغربية، وفي تصريحات حركة "الجهاد الإسلامي" التي توعدت فيها العدو بدفع الثمن إذا ما تعرَّض الأسرى الستة للتصفية، ما يؤشر إلى ارتفاع الروح المعنوية والثقة لدى المقاومة والشارع معاً.

ولكن يبقى المؤشر الأهم ما قاله أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم "كتائب القسام"، في كلمته المقتضبة في 11 أيلول/يوليو، حين حذر العدو الصهيوني من التغول على أهالي مخيم جنين، وتوعّده بأنّ فصائل المقاومة المسلّحة في غزة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما أقدم العدو على أي حماقة حيال الفلسطينيين هناك. وهنا تكون "كتائب القسام" مع باقي فصائل المقاومة كررت تهديداتها التي أطلقتها قُبيل الاعتداءات الصهيونية على حي الشيخ جراح، والتي وفت بها المقاومة، وحققت على إثرها إنجاز "سيف القدس".

بمعنى آخر، وسعت فصائل المقاومة بقيادة "كتائب القسام" قواعد الاشتباك التي فرضتها حيال القدس والمسجد الأقصى لتسري على مخيم جنين. ولكون المخيم لا يحتل مكانة معنوية مميزة، مثل القدس والمسجد الأقصى، يمكن تصور أن قواعد الاشتباك هذه تشمل مناطق الضفة وسكانها. وعلى أقل تقدير، إنَّ قواعد الاشتباك هذه على طريقها لتشملهما في المستقبل.

ويبدو من مسار الأحداث وردود أفعال المقاومة أنَّها باتت تسعى لتوفير "شبكة أمان" لأي تحركات شعبية مستقبلية في الضفة الغربية يمكن أن تتصاعد لتصير انتفاضة ثالثة كاملة.

إذا ما صحَّت هذه القراءة، فيمكن معها القول إنَّ المقاومة الفلسطينية أحسنت في البناء على آثار "نفق الحرية"، وتجاوزت تفاصيل العملية الدقيقة إلى وضعها في خدمة الهدف الأشمل، وذلك بتوصيفها عملية نضالية جديدة تسجّل في سِجِل المقاومة الفلسطينية الحافل.

وأخيراً، لا بدَّ من الإشارة إلى الوظيفة التي أدتها عملية "نفق الحرية" في تسليط الضوء على مظلومية الأسرى الفلسطينيين؛ هذه المظلومية التي تعد جرحاً نازفاً في الجسد الفلسطيني. ومجدداً، أحسنت "كتائب القسام" صنعاً حين أكدت أن أسماء أبطال "نفق الحرية" باتت على رأس قائمة الأسرى المطلوب تبادلهم في أي صفقة تبادل محتملة.

إذاً، جاءت عملية "نفق الحرية" في ظلِّ صعود مستمر لقدرات المقاومة الفلسطينية المسلّحة وإنجازاتها، وفي ظلِّ غليان الشارع في الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1948؛ شارع بات يزداد قرباً من الانفجار الشامل مع مرور الوقت، لتدفع هذه العملية النضالية الأخيرة في هذا الاتجاه بعد سابقاتها من "هَبَّة كاميرات الأقصى" و"هَبَّة الشيخ جراح" و"سيف القدس".

وعلى الرغم من أرجحية ألا يكون الأسرى الستّة قد اختاروا توقيت العملية، فإن المقولة الشائعة "رُبَّ صدفة خير من ألف ميعاد" تحضر في البال، فكيف إذا ما كانت الصدفة عملية نضالية على هذا القدر! سبحان الذي عنده كل شيء بميعاد!

بقلم: عمرو علان  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/1783 sec