رقم الخبر: 339617 تاريخ النشر: أيلول 24, 2021 الوقت: 18:21 الاقسام: ثقافة وفن  
ملحمة الأربعينية.. مسيرة للتكامل الإنساني في ميادين الفضيلة
محطة تجديد العهد لملهم الثائرين

ملحمة الأربعينية.. مسيرة للتكامل الإنساني في ميادين الفضيلة

تقترب ذكرى أربعين الإمام الحسين (ع)، فتهفو قلوب مفعمة بالإيمان لها مجددة العهد معه في كربلائه وثورته المباركة التي اعطت زخما فريدا من نوعه في التواصل الرّوحي بين هذا الإمام الفذّ الذي لم يبخل بشيء من أجل الإسلام العظيم، فاستحق أن يكون مُلهَم الثائرين.

 وقصّاصي أثر الصالحين، عندما يتناهى نظرك إلى هذه الموجات الطوفانية من المحبّين وهي تترادف تباعا بلا انقطاع، من أبعد الأمكنة عن كربلاء إلى أقربها ملبّية، وشاقّة طرقها على الأقدام متأسّية بركب السّبايا، وإن كان ذلك لا يُقارن في حقيقة الأمر، ولكنه تعبير تضامني بسيط، يفرح أهل البيت عليهم السلام كمدّ تضامني معهم في مصيبتهم، ويفزع منه أعداء الإسلام المحمدي الأصيل ويرونه نذير شؤم لأنظمتهم الفاسدة.

فإن لمسيرة هذا المصلح العظيم من مدينة جده إلى مكة، ثم من مكة إلى العراق دور وغاية، أراد بهما أن يُحدِث رجّة في ضمير أَحياءِ هذه الأمّة، لعلّهم ينهضون من تقاعسهم لأجل دينهم، وهو بنهجه الذي سطّره بجهده وعرقه وعطشه ومعاناته وآلامه وأحزانه ودمه، قد صدق مع ربّه ووفّاه حقّه، قانعا بنتيجة ما سيؤول إليه أمره في هجرته إليه، مِنْ استشهاد له ولشباب أهل بيته، وخيرة أصحابه، وسبي لنسائه وفيهم أخته العقيلة زينب (س)، ولإبنه المتبقّي الإمام علي زين العابدين (ع)، في سبيل أن تكون حركته الإصلاحية في مُحصّلها ذلك أكثر تأثيرا في القلوب الحيّة.

لقد شكّلت ملحمة كربلاء النّادرة في تاريخ الإنسانية، مشهديّة فداء القِيَمِ الإلهية التي جاء بها الإسلام، قد تقاسم فيها مخيّم الإمام الحسين (ع) جميع تلك القِيَمِ، هجرة إلى الله تعالى، وثبات على مبادئه، وتضحية بالنفس والنّفيس من أجل دينه، وصبر جميل في مواجهة قضاء الله وقدره، ينصهر فيه جميع أهل المخيّم، قلبا واحدا وإرادة واحدة وراء إمامهم، ملبّين تلبية حق "لبّيك يا حسين"، تلك التلبية التي لا تعني غير أن مقصدها "لبّيك يا محمد بن عبد الله (ص)" امتثالاً لأمره في مودة أهل بيته ونصرتهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق فمن أدركه منكم فلينصره" (ترجمة الامام الحسين (ع)/ ابن عساكر ص347، البداية والنهاية / ابن كثير ج8ص199)، هذه التّلبية التي ظلّت تتردد، كلما قام ثائر عرف حقّ سيد شباب أهل الجنّة عليه السلام، وتوفّرت له فرصة إطلاقها على واقع فاسد يُريد تغييره، وستظلّ كلذلك متوارَثة من جيل لآخر، إلى أن يتحقق العدل الإلهي على يدي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي (ع).

يرى أتباع أهل بيت النبي (ص)، في كربلاء محراب الشهادة ومدرسة الثورة، وهي مستلهم ثوّار الأمّة والإنسانية، من لوحات فدائها ترتوي القلوب بعَبَقِ أريج قرابين الهُدَى، ومن محصَّلِها تتجلّى عِبَرُ كل واحدة منها، منظومة القِيَمِ التي جاء لإحيائها خاتم الأنبياء (ص)، كربلاء التي أفجعت أهل البيت عليهم السلام، وأحزنت قلوبهم وقرّحت جفونهم، لم تختلف في شيء من ذلك مع شيعتهم وأتباعهم ومحبيهم، وبُعْدُها الرّوحاني لا يزال متّقدا لهَفاً وحبّاً وعشقاً، في قرارة كل نفس كانت مع الإمام الحسين (ع)، في مسيرته الفدائية من أجل الإسلام، حتى وإن تباعدت المسافات والأزمنة بينها وبينه.

من يمّم وجهه قاصداً طريق الهدى، بما مثّله الأمام الحسين (ع)، من مخزون علم محمّدي صاف من كل درَنٍ، وجد فيه نِعْمَ الهادي إلى الله، وربّان سفينة النجاة الوحيدة في ذلك الموقف، فاستشعر أيها العزيز أنك مع الحسين (ع) في كربلائه، عش معه هناك كل يوم، وكن بحقّ في حياتك من خير ناصري دينه، وناصري حفيده مولى المؤمنين صاحب الزمان (عج)، أقرن توجّهك بتوجّهه، ونيتك بنيّته، ويقينك بيقينه، وأحسن ظنّك بالله كما أحسن هو، فإن في اتّحاد قلوب الموالين مع أوليائهم، رضى لله ورسوله (ص) وأئمة أهل بيته عليهم السلام، ومن كربلاء يتميّز أتباع علم الهدى من أتباع أعلام الضلالة، فهي الفارق الذي ميّز به الإمام الحسين (ع)، الإسلام المحمّدي الأصيل، بمسيرته التصحيحية، من الإسلام السّلطوي الذي لا يرى غضاضة في الباطل وارتكاب المظالم، وبذلك نكون مع الامام الحسين (ع)، وبقية أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قال الله تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) (يونس / 62/ 63/64).

 الأربعينية تمثل هوية المؤمن الحقيقية

أراد الأئمة عليهم السلام أن تكون عظمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم متمحورة ومرتكزة على مرقد الإمام الحسين (ع)، من خلال تأكيدهم على عظمة زوار الإمام الحسين (ع) كما ورد في الروايات المنقولة عنهم عليهم السلام.

هذه الروايات التي تُشجّع على زيارة الإمام الحسين (ع) كان من أهم مصاديقها هي أبطال ملحمة الأربعينية.

فقد أثبت أتباع أهل البيت عليهم السلام وعلى مر العصور أنهم أكبر من أي تحدٍ، فنجدهم في كل سنة يستعدون وعلى مدار العام لإحياء ملحمة الأربعينية متحدين جميع الظروف سواء أكانت أمنية أو اقتصادية أو غير ذلك ويعملون على توفير جميع ما يحتاجه الزائر من نقطة انطلاقه وحتى عودته.

إن هذا الارتباط الوثيق لأتباع أهل البيت عليهم السلام مع سيد الشهداء (ع) جعل من ملحمة الأربعينية أن تكون مسيرة للتكامل الإنساني في ميادين الفضيلة، مع خلق جيل يتصف بهذا التكامل.

وهذا الارتباط الوثيق جعل من ملحمة الأربعينية والتي تعد أكبر وأضخم وأطول مسيرة في العالم، دون أن تدعو إليها أو تنظمها أو تمولها جهات حكومية أو دولية حيث تذويب كل العناوين العالمية فيها، وتتلاشى مسميات الأوطان، أن تبقى خالدة على طول السنين بالرغم من كل الظروف التي تعتريها وفي كل عصر.

إن ملحمة الأربعينية تمثل اليوم صورة حية لتوق الإنسانية إلى الحرية ورفض الظلم، حيث تسير الملايين صوب الله وصوب الحرية وصوب النقاء وصوب الحق ضد الباطل باتجاه القائد البطل المصلح، لتثبت للاستكبار العالمي وخط النفاق انه وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان لم يعد الإمام الحسين (ع) وحيدا فريدا بل أصبحت له جيوش مليونية تقول له امض بنا حيث شئت.

لذلك اعتبرت ملحمة الأربعينية أحد الروابط المهمة التي تربط قلوب عشاق الحرية بإمامهم، وتمثل هوية المؤمن الحقيقية بواسطة انتمائه للقضية الحسينية، فهي تعد تخليدا لقضية أبي الأحرار ونهضته.

المشي يوم الأربعين نحو كربلاء الحسين (ع) خطوات متلاحقة للتغيير الذاتي

إنها لفرصة تاريخية حقاً؛ فالمسير نحو كربلاء الحسين (ع)، مشحون حتى هذه الساعات بجموع السائرين على الاقدام من مختلف بلاد العالم.

فاذا يُقال عن فرصة الالتقاء بين المسلمين مع بعضهم، وتذكيرهم بالأخوة الاسلامية، فإن في كربلاء تذكيرٌ، ليس فقط بالأخوة، إنما بكل المفاهيم الانسانية والقيم الاخلاقية.

في كربلاء الحسين (ع)، لا فريضة ولا واجب يدفع الانسان، إنما الاندفاع الذاتي والحماس المنبعث من أعماق الضمير والوجدان، يدفع به لأن يترك بيته ووطنه ويقطع مسافات بعيدة، راكباً ثم ماشياً، ثم يدخل مدينة صغيرة بالكاد تكفي لمليون انسان، بينما نسمع اليوم بوجود حوالي اربعة الى خمسة ملايين زائر يتواجد في اليوم الواحد في هذه المدينة.

هذه الأجواء الإستثنائية للتعارف والتلاقي بين ابناء الشعوب المختلفة، توفر فرصة نادرة للتغيير الذاتي، بل وفي نجاح هذا التغيير، بعد ان نجح الانسان في كسر كل الحواجز النفسية والمادية واندمج وسط الجموع المليونية.

أهم وأبرز صفة يمكن ان يكتسبها الزائر في زيارة الاربعين، هي صفة "العطاء". هذا المفهوم العام، الذي تتفرع منه خصال اخلاقية وانسانية عظيمة، مثل الكرم والجود والإيثار ثم التكافل الاجتماعي، وهي خصال تقف على النقيض من حالات نفسية ربما تراود الكثير من الناس، مثل الإمساك والأنانية والحب المفرط للذات.

والحديث عن العطاء، وفي مناسبة هكذا، ربما بحاجة الى دراسة موسعة تشمل البعد النفسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي العام.

كل هذا وغيره كثير، يجعل الارضية النفسية للانسان على درجة من الخصوبة والاستعداد للتغيير نحو الاحسن والأسمى.

نعم؛ هذه هي إثار النهضة الحسينية في الواقع الانساني، وقد ثبت بالدليل الملموس في ارض الواقع أنها تدخلت حتى جميع نواحي حياة الانسان، من اخلاق وفكر وسلوك ومنهج عام في الحياة، لأنه ببساطة؛ الحرية والكرامة والإيثار والوفاء وغيرها… من الامور التي يعيشها الانسان يومياً في حياته.


 

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق+ وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1299 sec