رقم الخبر: 340538 تاريخ النشر: تشرين الأول 11, 2021 الوقت: 14:27 الاقسام: ثقافة وفن  
حافظ الشيرازي... شاعر العرفان والغزل الإيراني قريحة تفيض من منهل القرآن
في ذكرى احياء يومه

حافظ الشيرازي... شاعر العرفان والغزل الإيراني قريحة تفيض من منهل القرآن

يصادف غداً الثلاثاء الموافق للحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر ذكرى تكريم الشاعر الإيراني الكبير "حافظ الشيرازي" الذي طار صيته بالعالم، والذي مازال مَعلَماً ومظهراً أدبياً وشعرياً ونافذة يتعرَّف من خلالها العالم على إيران.

ولد شمس الدين محمد بن محمد المعروف بـ "حافظ" في القرن الثامن الهجري بمدينة شيراز جنوب إيران ويعتبر أحد أكثر الشعراء الإيرانيين شعبية.

ويحظى "حافظ الشيرازي" بصيت عالمي وما من أحد في إيران إلا ويعرف قصائده ويردّدها والتي يشكل الغزل معظمها.

ومن الجدير بالذكر أنّ قصائد حافظ الشيرازي ترجمت إلى مختلف اللغات الأوروبية.  

وتقع مقبرة حافظ الشيرازي في مدينة شيراز مركز محافظة فارس جنوب إيران وتُعدّ إحدى أهم الجهات السياحية في شيراز وتجتذب كل سنة عدداً كبيراً من محبيه وأشعاره من مختلف أنحاء البلاد والعالم.

ويعدّ حافظ الشيرازي اليوم واجهة إيران الثقافية وعنوانها التعريفي، فلا يمكنك زيارتها من دون أن تقرأ بيتاً له هنا أو هناك على جدران المدينة، وفي الرسائل، وبين الكتب، وعلى هدايا العشاق وطاولات المدارس.

ولد حافظ ومعه ولد الحب والغناء والأمل، وكان ذلك على الأرجح في العقد الثاني من القرن الثامن الهجري، وهو خواجة شمس الدين محمد حافظ... ابن إيران البار. يرى الخواص أنه "شاعر الغزل" و"لسان الغيب" و"ترجمان الأسرار"، كما يعتبره العوام "كاشف الأسرار"، ويرون في غزلياته خليطاً من الفلسفة والعرفان والخمرة والعشق والهوى والتقاليد والعادات. وقد استطاع أن يصنع من هذه العجينة أجمل اللوحات، فتراها تعزف وتغني وهي صامتة.

هذا الشاعر الغزلي الفارسي الذي يعدّ أكبر الشعراء في البلاد، يحمل اسماً مستعاراً هو "حافظ"، وذلك لصلته العميقة والعجيبة بالقرآن المجيد، فهو لم يحفظ القرآن فحسب، وإنما كان عالماً به أيضاً، كما كان عالماً بالبلاغة، فعرف بالنحو والإعراب في القرآن، وتفاصيل اللغة العربية، ومفردات القرآن الكريم وعجائبه، والإشارة إلى القرآن الكريم في أشعاره لا حصر لها، وأحياناً تكون هذه الإشارة بسيطة:

"أيا حافظ، بحقّ القرآن عليك أن تترك الأضواء والبهرجة، لربّما تأخذ قسطاً من العيش الرغيد في هذا الوقت".

"أيا حافظ، ما دمت في عزلة فقرك وخلوات لياليك الظلماء منشغلاً بالدعاء وقراءة القرآن، فلا تقلق".

والوجه الآخر لصلة حافظ بالقرآن الكريم يتجلى باستخدامه آيات أو عبارات من القرآن الكريم، وقيامه بتضمينها وإدراجها نصّاً أو بقليل من التصرّف أو بنقل معانيها وترجمتها:

"هذه الليلة هي الليلة التي تفتح فيها أبواب رحمة الخالق، وسيكون فيها سلام حتى مطلع الفجر".

تعتبر هيكلية الأشعار الغزلية لحافظ، والتي تتميز أبياتها بالاستقلال والتنوّع والتحويلات أكثر من أي أشعار غزلية أخرى، بما فيها أشعار الغزل الفارسية التقليدية، متأثّرة بهيكلية السور والآيات القرآنية الكريمة.

ويرى البعض أنّ كلمة "العشق" التي اتخذها حافظ إطاراً لشعره، لم تكن وليدة إحساس آني أو تأثير عاطفي عابر، بل هي من أسماء الجلالة، فيعتبر العشق غاية الكمال الإنساني، لأن الإنسان يرتبط بمعشوقه روحياً، وعجينة الإنسان الأساسية هي "العشق"، أي أن طينته عجنت بشراب "العشق"، والحان والكأس والخمر من مفرداته وتدل عليه، وجميع الموجودات في العالم خلقت من أجل أن تعشق وتحب، ولو لم يكن العشق لما بقي شيء اسمه الطلب والتمني.

هرگز نميرد آنكه دلش زنده شد به عشق

                          ثبت است بر جريده عالم دوام ما

وترجمته:

 لن يموت أبداً من يعيش على العشق الدائم

                          ولذلك، فاستمراريتنا ثبتت في صحف العالم.

لقد ترك لنا حافظ ثروة أغنى بها الأدب الفارسي والعربي، فديوانه بمثابة حافظتنا المكتوبة وعصارة فكرنا وثقافتنا ومرآة ذهننا، وكذلك وجداننا، وهو الكأس الذي يحكي للمتأمل بشرابه عن ماضيه وحاضره ومستقبله، ففي شعره البسمة والدمعة، والقهر والمحبة، والخيبة والأمل.

 لقد نال شعر حافظ إعجاب العديد من كبار رواد الأدب والفكر في العالم، فأكرموه حتى أصبح شاعر كل العصور والأزمنة، واعتبر جان بين شاعرنا مثل دانتي وشكسبير. كما اعتقد البعض أن قوته الشعرية لا تقل عما يتمتع به الشاعر هوراس من هذه الموهبة. وقد وصف رائد الأدب العربي الأول الأستاذ المرحوم طه حسين ديوان حافظ بـ"زهرة الشعر الفارسي"، وأنه أثر قيم.

وهو الشاعر الذي تركت أشعاره إنطباعها الذي تأصّل في الساحة الأدبية الايرانية والعالمية والذي جعل من أبياته نموذجاً نادراً وقوياً ومتحلياً بالجلال الأدبي فضلاً عن تحويل هذا الشاعر الى مفخرة إيرانية وعالمية.

ولابد من الإشارة إلى أنّ الغزل هو التغني بالجمال، وإظهار الشوق إليه، والشكوى من فراقه. والجميل المطلق هو (الله) سبحانه، والغَزَلي الحقيقي هو العاشق. والعشق هو التخلّص من قيود الذاتية والأنانية، والسمو في مدارج الكمال الإنساني من هنا فان لحافظ وأمثاله دوراً تاريخياً كبيراً في إيقاظ الشعور، وتحرير الأمة من النظرات الضيقة، ومن ثم فإن لهم دوراً في توحيد الأمة واستنهاضها.

سمي حافظاً لأنه حفظ القرآن واستوعبه وتمثله في وجوده وفاضت قريحته من منهله، فهو ابن الحضارة الإسلامية، وثمرة من ثمارها. وحافظ الشيرازي خير من يعبرون عن معنى «العشق» في الأدب الفارسي.

وكثرت الأقوال بين مشاهير العالم من اُدباء ومؤرخين وعلماء ورجال دين على مر العصور حول هذا الشاعر والتي أشادت به وبأبياته التي توطنت مضامينها في نفوس قارئيها أو المستمعين اليها وتركت إنطباعاً فريداً يتحف الفرد برؤية جميلة وحقيقية عن الحياة.

وقال العلامة محمد تقي جعفري الفيلسوف والمفسر لكتاب نهج البلاغة عن الشاعر "حافظ": إن الجلال والجمال اللذان إجتمعا في أشعار حافظ جعلت الدهشة تساور المستمع إليها أو القارئ لها وجعلته يفهم من خلالها الحقيقة المطلقة بعيداً عن الواقع الراهن.

وقال عنه الشاعر المعاصر الايراني "محمد حسين شهريار": إن كل مصرع من أبيات "حافظ" يكون معلماً ومظهراً لمكنون قلب الايرانيين، ولاشعر يضاهي ما نبع عن "حافظ" و "سعدي".

وكتب غلامحسين زرين كوب الأديب والكاتب والمترجم الايراني البارز: إن الكل يستقي من مناهل "حافظ" على قدر سعته وموهبته.

وقال عنه العلامة آية الله مرتضى مطهري: إن "حافظ" لديه قوة تنبع من الجمال، تجر اليها صاغيها.

وكتب بهاء الدين خُرمشاهي الباحث وأفضل المدققين لديوان "حافظ": إن حافظ ليس معلماً فحسب ولا واعظاً إنما لعباراته وقع وأثر عظيم يتسرب الى الفرد كما أن أشعاره تمثل مدرسة للحياة تعلمت ومازالت تتعلم منها الشعوب منذ قرون ولألفيات.

القسم الأعظم من ديوانه حديث عن "العشق" ضمن مقطوعات تسمى "الغزليات" وكل غزلية تتكون من عدد من الأبيات (في حدود 7 أبيات عادة) ذات قواف وأوزان متحدة، والبيت الأول مصرّع حتماً، وكل بيت له معنى يكاد يكون مستقلاً عن غيره.

أول غزلياته يبدأها بشطر بيت عربي يدعو فيه الساقي أن يناوله كأساً كي يخفّف عنه أثقال هموم العشق الذي بدا في أوله سهلاً، لكنّ ثقل أعبائه بدت على مرّ الأيام:

"ألا يا أيهــا الساقـي أدر كأساً وناولها .... كه ‌عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشكلها" أي: "فالعشق بدا في أوله سهلاً ثم وقعت المشاكل".

وفي بيت آخر من هذه الغزلية يتحدث عن نفسه التي لا تدعه يستقرّ لأن شوط العمر قصير: "مرا در منزل جانان چه امن عيش چون هــر دَم....جَرَس فـرياد مى دارد كه بربنديد محملها" أي: "أي أمن عيش لي في منزل الحبيب،إذ في كل لحظة يدق الجرس أن ارزمـوا محملكم".

وفي بيت آخر من هذه الغزلية يشير إلى مايحيط به من أهوال تعبّر عن الهموم الكبيرة التي يحملها، ويرى أن الذين يخلدون إلى الراحة ودِعَةِ العيش لا يفهمون ما يثقل صدور العاشقين: "شبِ تاريك وبيم موج و گردابى چنين هايل.... كجـا دانند حال ما سبكباران ساحلها" أي: "ليل مظلم وموج مخيف، ولـُجّة هائلـة  من أين لسكان السواحل أن يعرفوا حالنا".

ثم يدعو نفسه لأن يسير على طريق العشق إذا أراد أن يكون حاضراً، أي إذا أراد أن يكون ذا مكانة في ساحة الإنسانية المتكاملة: "حضورى گر همي خواهي از او غايب مشو حافظ.... متى ما تلق من تهـوى دع الدنيا وأهملهـــا" أي: "إذا أردت حضوراً مستمراً فلا تَغِب عنه يا حافظ  متى ماتلق من تهوى دعِ الدنيا وأهملها".

ويلاحظ أن البيت الأول الذي يشير فيه إلى سهولة العشق في بداية مراحله، وظهور مشاكله وثقل أعبائه في مراحل تالية، له ما يشابهه في الغزل العربي، يقول الشاعر:

تولـّع بالعشق حتـى عشق فلمـا استقـلّ به لم يطق .... رأى لُـجّـة ظنّهـا موجـةً فلمّـا تمكـّن منهــا غرق

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق + وكالات
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1321 sec