رقم الخبر: 343053 تاريخ النشر: تشرين الثاني 19, 2021 الوقت: 15:21 الاقسام: ثقافة وفن  
الفن والفنان في كلمات سماحة القائد الإمام الخامنئي (2/ 1)

الفن والفنان في كلمات سماحة القائد الإمام الخامنئي (2/ 1)

حقيقة الفن - أي فن كان - هو أنه عطية إلهية. ومع أن الفن يظهر في كيفية التبيين، لكن هذه ليست كل حقيقة الفن، إذ ثمة قبل التبيين إدراك وشعور فني، وهنا تكمن النقطة الرئيسية. بعد إدراك الجمال واللطافة والحقيقة يظهر الفنان من إدراكه هذا آلاف الدقائق الأدق من الذرة والتي لا يستطيع الأفراد غير الفنانين إدراك حتى نقطة واحدة منها، لكن الفنان يعبّر عنها بروحه الفنية وبالنور المتوقد في سريرته. وهذا هو الفن الحقيقي الواقعي الناجم عن إدراك وانعكاس وتبيين.

قيمة الفن

يجب النظر لقيمة الفن في مكانته الحقيقية من قبل الفنانين أولاً، فيلتفتوا إلى قيمة ما يحملونه داخل كيانهم ويحترموه. واحترام الفن يتأتى بأن ينفقوه في الموضع المناسب. يقول الإمام السجاد (ع) في حديث له إن روح الإنسان ووجوده أثمن الأشياء، ولا يعادل روح الإنسان ثمناً إلا جنة الله الموعودة، فلا يعوض الإنسان روحه بسوى جنة الله. الفن من أفخر وأثمن أجزاء روح الإنسان ولا بد من تثمينه وتقديره وإنفاقه في سبيل الله. طبعاً حين يقال يجب إنفاق الفن على الله فلا ينصرف الذهن فوراً إلى الحالة السطحية المرائية.

الفن بوصفه أداة

الذين لديهم رسالة يريدون تبليغها للناس سواء كانت هذه الرسالة رحمانية أو شيطانية، فإن أفضل وسيلة يستخدمونها هي وسيلة الفن. الشيء المهم جداً هو أن استخدام الفن يجب أن يكون كباقي الأدوات والوسائل الحاملة للفكر ذات اتجاه دقيق وواضح وصحيح جداً، ولا يكون اتجاهه خاطئاً. لذلك يستخدم الفن في العالم اليوم لتصوير أكثر الآراء باطلاً على أنها حق في أذهان جماعة كبيرة من الناس، وهذا غير ممكن من دون الفن، لكنهم يجعلونه ممكناً بالفن وبالأدوات الفنية. خذوا مثلاً فن السينما والتلفزيون حيث يستخدمون أنواع الأساليب الفنية ليستطيعوا إيصال رسالة باطلة إلى أذهان الناس على أنها حق.

إذن الفن وسيلة وهو وسيلة ذات قيمة عالية جداً. إنه أداة لكنها أداة لها وزنها إلى درجة أنها تكتسب أحياناً نفس أهمية المضمون والمحتوى لأنها إن لم تكن لن يمكن نقل المضمون إلى القلوب.

أداة لنشر الفكر

للفن لغة بليغة لا تجاريها في البلاغة لغة أخرى. لا لغة العلم ولا اللغة العادية، ولا لغة المواعظ لها بلاغة لغة الفن. ينبغي الاهتمام بالفن ورفع مكانته يوماً بعد يوم واختيار الشكل الفاخر منه. من دون الفن لا يجد الكلام العادي طريقه إلى ذهن أحد، ناهيك عن أن يكون جذاباً بالنسبة له، ويتميز بالخلود والبقاء. الفن خير وسيلة لنشر فكر صحيح أو غير صحيح. الفن وسيلة وأداة وإعلام. إنه وسيلة إعلام مهمة جداً. ينبغي عدم الغفلة عن الفن ورقيه، ويجب عدم مساواته بالمعاصي والممارسات الخاطئة وما إلى ذلك. الفن من أرقى مخلوقات الله ومن أثمن وأعز ما صنع الله مما يجب تثمينه وتقديره. يجب استخدام الفن في جميع الأعمال حتى في الإعلام والدعايات العادية.

السمة العامة للفن

السمة العامة للفن هي أنه يؤثر من دون أن يكون المؤلف نفسه متنبهاً في كثير من الحالات وغالباً ما لا يكون المتلقي نفسه متنبهاً. تأثير الشعر والرسم وسائر صنوف الفن والأصوات الجميلة والألحان اللطيفة - وهذه كلها فنون -تحصل في ذهن المتلقي من حيث لا يشعر. أي إن الفن يؤثر من دون أن يشعر المتلقي بهذا التأثير. وهذا أفضل أنواع التأثير. اختار الله تعالى أفصح البيان للتعبير عن أرقى المعارف أي القرآن. كان يمكن أن يقول الله تعالى القرآن والمعارف الإسلامية بكلام عادي وبيان دارج، ولكن، صبّ الله هذه المعارف في أفصح وأجمل قوالب البيان الفني، والقرآن نفسه يقول إنكم لا تستطيعون الإتيان بمثل لفظه وبنائه الفني، أما المعنى فهو معلوم.

الموهبة الفنية

بالطبع ليس الفن من الثروات والكنوز التي يمكن أن تتأتى كلها بكدّ اليمين وعرق الجبين. ما لم تكن هناك قريحة وموهبة فنية لدى الفنان فسيبقى في الخطوات الأولى مهما حاول وسعى. الموهبة ليست من فعل الفنان وجهده بل الله هو الذي يهب للإنسان جميع النعم حتى لو كانت عبر قنوات المجتمع والأب والأم والبيئة والأمور الأخرى. الفنان يبذل جهده ولكن الفرصة والهمة لبذل الجهد ممنوحة هي الأخرى من الله، وعلى الفنان رفع مستوى الفن في داخل نفسه.

كل فنان هو لوحده عالم، وهذه هي خصوصية الفن في وجوده. لو أتيح للإنسان أن يستمع لاختلاجات قلوب الفنانين بشفقة وعطف لشاهد عالماً عجيباً وجميلاً زاخراً بالهموم والأحزان والأفراح والآمال والقلق والمثل. الفن جوهرة جد ثمينة لا تعود قيمتها وقدرها الكبير إلى مجرد اجتذابها للقلوب والعيون – الكثير مما ليس بفن يمكن أن يجتذب إليه العيون والقلوب – لا، بل هي موهبة وعطية إلهية.

واجب الفنان

الفن حقيقة فاخرة جداً ومن الطبيعي بالنسبة لمن حظي بهذه الموهبة من قبل الله – كباقي الثروات – أن يرى لنفسه مسؤولية وأعباء. أي إن العطايا الإلهية مصحوبة بأداء تكاليف وواجبات معينة. وهذه التكاليف ليست كلها دينية وشرعية بالضرورة وإنما هي تكاليف ينبع الكثير منها من صميم فؤاد الإنسان. حينما يكون للإنسان عين فهذه نعمة لا يتمتع بها بعض الناس، إلا أن هذه العين ما عدا اللذائذ التي تمنحها للإنسان تضع بعض التكاليف والواجبات على عاتق الإنسان بشكل طبيعي. هذه التكاليف إنما هي بسبب العين التي يمتلكها الإنسان. ليس من الضروري أن يقول الدين للإنسان أو أن تنزل في ذلك آية قرآنية، بل قلب الإنسان يدرك ذلك. ما من أحد في العالم لا يلوم الثري حينما يجده لا يأبه بالضعفاء أويشمت بهم. والحال أن ذلك الثري قد يقول إنني حصلت على هذه الثروة بنفسي وهي ملكي، لكن هذا لن يقبل منه. حينما تكون هناك ثروة وموهبة ومكسب فلا بد من تكليف حياله.

مواكبة الزمان

أنا لست خبيراً بالشؤون السينمائية والفنون التشكيلية والتصويرية وما إلى ذلك، لكنني لست كذلك في ما يتعلق بالشعر والرواية، أي إنني في هذين المجالين لست إنساناً عامياً، فقد قرأت الكثير من الأعمال الموجودة. لو نظرتم الآن للأدب السوفيتي لوجدتم ستاراً وسطه، أي إن فيه سوراً وعلى جانبي هذا السور توجد أعمال عظيمة. لكنكم حينما تقرأون أعمال شولوخوف أو آلكسي تولستوي تجدون لها طعماً آخر. آلكسي تولستوي كاتب متمكن جداً له روايات جيدة جداً وهو من كتاب الثورة السوفيتية ويمكن تذوق طعم العهد الجديد في كتاباته، وإلا بوسعكم أن تجدوا في رواية "الحرب والسلم" لتولستوي آثار الوطنية الروسية لكنكم لا تجدون مثل هذا في أعمال الأعوام الستين الأخيرة. تلك حقبة وأعمال أخرى تنتمي لمكان آخر. ما الشيء الذي يعبر عن شخصية روسيا اليوم؟ إنه أعمال شولوخوف وآلكسي تولستوي وأمثالهما. وبالتالي فإن الفنان في كل عهد هو الذي ينتمي لذلك العهد وربيب ذلك العهد والحقبة والمعبر عنها. وإلا فالذي يبقى في العهد السابق ويكتب عنه لا يحسب على هذا العهد وآدابه.

الفن الملتزم

الالتزام حيال الإنسان: يقول البعض أن الكلمة الأولى في عبارة« الفن الملتزم» تتناقض مع الكلمة الثانية. الفن معناه الشيء القائم على الخيال الحر للإنسان، والملتزم معناه المقيد والمصفد، فكيف يجتمع هذان؟ هذا تصور من التصورات، وهو طبعاً ليس بالتصور الصائب. قضية المسؤولية والالتزام عند الفنان تعود إلى كونه إنساناً قبل أن يكون فناناً. فالفنان قبل أن يكون فناناً هو إنسان، والإنسان لا يمكن أن لا يكون مسؤولاً. المسؤولية الأولى التي يتحملها الإنسان هي في مقابل باقي الناس. رغم أنه مسؤول وملتزم أيضاً في مقابل الطبيعة والأرض والسماء لكن مسؤوليته الكبرى هي مقابل باقي البشر.

الالتزام حيال الفن: الفنان ملتزم فيما يخص الشكل والقالب الفني الذي يختاره وكذلك فيما يتعلق بالمضمون والمحتوى. صاحب القريحة الفنية يجب أن لا يكتفي بمستوى هابط. هذا التزام يلتزمه. الفنان الكسول وعديم الحركة والسعي والذي لا يبذل جهداً في سبيل الارتقاء بفنه وأعماله وإبداعاته يكون في الواقع متقاعساً حيال مسؤوليته الفنية المتعلقة بالقالب والشكل. على الفنان أن يسعى دوماً. طبعاً قد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يستطيع بعدها السعي والجد -لا نقاش في هذا - لكن عليه العمل بمقدار جهده في سبيل رفع مستوى قالبه الفني. وهذا الالتزام حيال الشكل لا يتأتى من دون شعور بالوجد والرغبة والمسؤولية، وبالطبع فإن هذا الوجد والحب والاندفاع هو أيضاً مسؤولية بحد ذاته، وهو يدٌ قويةٌ تدفع الإنسان إلى الفعل والإنجاز ولا تسمح له بالشعور بالكسل والترهل وعدم الإنتاج.

الالتزام حيال المضمون: إذا كان الإنسان محترماً وعزيزاً فإن قلبه وذهنه وفكره أيضاً عزيز ومحترم. لا يمكن إعطاء المتلقي أي شيء وكيف ما اتفق لمجرد أنه يتلقى من الفنان ويستمع لكلامه. ينبغي النظر ما الذي يروم الفنان أن يعطيه للمتلقي. القضية قضية الأخلاق والفضيلة. قرأت قولاً - أظن أنه للكاتب الفرنسي رومان رولان ( 26 يناير 1866 - 30 ديسمبر 1944 ) واسمه الحقيقي ال. سن جوست – فحواه أن العمل الفني واحد بالمائة منه فن وتسعة وتسعون بالمائة منه أخلاق. أو أقول للاحتياط عشرة بالمائة منه فن وتسعون بالمائة أخلاق. لاح لي أن هذا الكلام غير دقيق. لو سألوني لقلت الفن مائة بالمائة فن ومائة بالمائة أخلاق. هاتان الفكرتان غير متناقضتين. ينبغي عرض العمل الفني بإبداع فني مائة بالمائة وملئه في الوقت نفسه مائة بالمائة بالمضامين الراقية والمتسامية والمتقدمة والمعبرة عن الفضيلة. الشيء الذي يمثل همّاً بالنسبة لبعض المخلصين فيما يتعلق بالقضايا الفنية هو أن لا يخرق الفنان الفضيلة ولا يسحق الأخلاق بذريعة حرية الخيال أو الحرية الفنية. هذا أمر على جانب كبير من الأهمية. وبالتالي فالفن الملتزم عبارة صائبة.

يتبع...

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ دار الولاية للثقافة والإعلام
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/0017 sec