رقم الخبر: 343830 تاريخ النشر: تشرين الثاني 30, 2021 الوقت: 14:51 الاقسام: ثقافة وفن  
المنزلة العلمية والفقهية للمحقق الحلّي(رض) ومكانة علم الفقه في منظومة العلوم الإسلامية (1)
مستلزمات اجتهاد فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)

المنزلة العلمية والفقهية للمحقق الحلّي(رض) ومكانة علم الفقه في منظومة العلوم الإسلامية (1)

يعتبر المحقّق الحلّي ـ بلحاظ تاريخ علم الفقه ـ من علماء المرحلة الثالثة المعروفة بمرحلة تجديد حياة الفقه، وهي مرحلة مسبوقة بمرحلة الركود وتوقّف علم الفقه. فقد صار لعلم الفقه في هذه المرحلة حياة جديدة جسماً وروحاً، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة تكامل وتطوّر الفقه الاستدلالي وذكرها بكلّ فخر واعتزاز، وذلك لأجل القواعد المبتكرة والمناهج الجديدة والاهتمام الخاص باُصول الفقه والتنوّع في التصانيف العلمية والفقهية و...

 إن نشر الثقافة والمعارف الدينية هي من المسؤوليات الكبيرة التي تقع على عاتق وسائل الاعلام بصفة خاصة، ولهذا فقد أولت صحيفة الوفاق أهمية لهذه المسؤولية لأجل تحقق هذا الهدف وتأتي سنوية تكريم أحد علماء وفقهاء الإمامية وهو المحقق الحلي رحمه الله (28 ربيع الثاني 602 هـ.ق.) الذي كان من أعاظم أساطين مدرسة الإمامية، وذلك من خلال حوار علمي أجرته الصحيفة مع أحد علماء الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة وأستاذ بحث الخارج في الفقه والأصول سماحة آية الله الحاج الشيخ مهدي النيازي الشاهرودي للحديث عن هذه الشخصية العلمية والفقهية والمكانة الرفيعة للمحقق الحلي (رض)، وكذلك بيان مكانة علم الفقه ضمن منظومة العلوم الإسلامية، وأخيراً الحديث عن مستلزمات اجتهاد فقهاء أهل البيت عليهم السلام ونظراً لمكانة علم الفقه في منظومة العلوم والمعارف الإسلامية، وكذلك دوره وأثره في المجتمعات الإسلامية عموماً والمجتمع المسلم في ايران خصوصاً ودوره أيضاً في التقنين والأمور التنفيذية في مختلف المجالات (الثقافية، الإجتماعية، الإقتصادية، السياسية، المعاملات، الأمن والرفاه و...) سوف تتصدى هذه الصحيفة من اليوم وضمن الأعداد اللاحقة نشر هذا الحوار بشكل كامل، راجين أن يكون موضع اهتمام وفائدة العلماء وأصحاب النظر في هذا المجال وسائر القرّاء الكرام. ان شاء الله تعالى، وفيما يلي نقدّم لكم نص الحوار:

س: السلام عليكم، سماحة الأستاذ بداية نود أن نتقدّم لكم بالشكر الجزيل على الوقت الذي منحتمونا اياه وعلى مشاركتكم في هذا الحوار العلمي، نرجو منكم كمقدّمة للدخول في البحث الحديث عن ضرورة تكريم وتعرّف وإعادة دراسة شخصية مشاهير علماء الشيعة وفقهائهم في الوقت الحاضر، ومدى أهمية ذلك للجيل المعاصر؟

ج: بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله، اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد، ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، انّك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.

في البداية نذكر تيمّناً رواية عن الامام علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والثناء، قال: "تفقّهوا في دين الله فإنّه أروي من لم يتفقّه في دينه ما يخطئ أكثر ممّا يصيب، فانّ الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب الى المنازل الرفيعة وخاص (وحاز) المرء بالمرتبة الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العباد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقّه في دينه لم يزكِ الله له عملاً".

ثمّ انّي أشكركم لتمهيد هذا الحوار العلمي، وأرجو أن يتقبّل الله تعالى منّا ومنكم جهودكم وأن يكون ذلك محلّاً لتوجه وعناية أهل البيت (عليهم السلام)، ومفيداً للعلماء والفضلاء وطلّاب المعارف الاسلامية، خصوصاً العاملين في مجال الفقه والفقاهة إن شاء الله.

انّ الهدف من دراسة مختلف جوانب الحياة للشخصيات العلمية الاسلامية الكبيرة بشكل عام والشيعية بشكل خاص هو تكريم جهودهم والتزوّد ممّا لديهم من كنوز ثمينة، وأيضاً معرفة ماضيهم ودرك ظروفهم وأبعاد حياتهم الفردية والاجتماعية والثقافية والعلمية والسياسية و... ومعرفة وجه اختلافهم وما يمتازون به عن الآخرين، والتعرّف على مدى تأثيرهم القيم على المجتمع وعصرهم، وأيضاً معرفة تصانيفهم وآثارهم العلمية، لأنّ الوصول الى الهدف لا يحصل الّا بالتأسّي والاقتداء بهم وهما أمران ضروريان، واتباع هؤلاء العلماء الذين بذلوا عمرهم الشريف في سبيل الحصول على مقامات علمية ومعنوية يسهّل السير في طريق التكامل، ومن حسن الحظ توجد في تاريخ الاسلام شخصيات قيمة ونماذج كثيرة، لذا من الواجب علينا ـ خصوصاً الحوزات العلمية ـ معرفة هذه الشخصيات والتعريف بها وبما لديها من كنوز ثمينة للمجتمع المسلم وسائر المجتمعات، لأنّ ذلك يعكس قدرة الإسلام وعظمته في تربية وتقديم مثل هذه الشخصيات القائمة والواقفة على ذروة العلم والأخلاق، والاستفادة من آثارها العلمية ومقاماتها المعنوية خصوصاً في ساحة الفقة والفقاهة.

لقد قدّم لنا تاريخ الاسلام اللامع وبالأخص تاريخ الشيعة بمختلف مراحله وجوهاً علمية ومعنوية كثيرة، قدّم كل واحد منها ـ نظراً الى الظروف الخاصة ومقامه الاجتماعي ـ للتاريخ والثقافة والمعارف الاسلامية وعلوم أهل البيت (عليهم السلام) خدمة جليلة في سبيل تبيينها ونشرها بكل تواضع ورغبة، وتحمّلوا في ذلك الكثير من المشاق، جزاهم الله جميعاً خيراً، ورحم الماضين منهم، وحفظ الباقين، ان شاء الله.

س: كما تعلمون أنّ موضوع هذا اللقاء هو الحديث عن أحد كبار وأعاظم الفقه والفقاهة وهو المحقّق الحلّي (رض)، اذكروا لنا مكانة المحقّق الحلّي ومنزلته بلحاظ النسب والاُسرة، ومكانته العلمية بين العلماء المعاصرين والمتأخّرين.

ج: ولد المحقّق الحلّي (رض) عام (602هـ) في الحلة، وهو من أبرز علماء القرن السابع، كان من اُسرة علمية وزعامة دينية، وكان جدّه وأبوه من كبار علماء عصرهما، فترعرع في هكذا بيئة علمية ودينية اُسرية ومحلّية، طوى المراحل العلمية والمدارج المعنوية الواحدة تلو الأخرى بنجاح وفاز بمدارج عالية علمية ومعنوية فصار من أبرز العلماء عموماً، وأخصّهم في ميدان الفقه والفقاهة، له تصانيف وآثار قيمة، وكان له كرسي بحث وتدريس نافع ومفيد، وقد تربّى عليه تلامذة كبار كالعلّامة الحلّي وابن داود الحلّي وابن سعيد الحلّي والفاضل الآبي و...

يعتبر المحقّق الحلّي ـ بلحاظ تاريخ علم الفقه ـ من علماء المرحلة الثالثة المعروفة بمرحلة تجديد حياة الفقه، وهي مرحلة مسبوقة بمرحلة الركود وتوقّف علم الفقه. فقد صار لعلم الفقه في هذه المرحلة حياة جديدة جسماً وروحاً، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة تكامل وتطوّر الفقه الاستدلالي وذكرها بكلّ فخر واعتزاز، وذلك لأجل القواعد المبتكرة والمناهج الجديدة والاهتمام الخاص باُصول الفقه والتنوّع في التصانيف العلمية والفقهية و...

بدأت هذه المرحلة بعلماء كبار أمثال ابن ادريس الحلّي، وانتهت بأعاظم أمثال المحقّق الحلّي والعلّامة الحلّي وفخر المحقّقين والفاضل الآبي وغيرهم.

توفّي (رض) تقريباً في الربع الأخير من القرن السابع (676هـ) ، وكان بداية هذه المرحلة منذ أوائل القرن السابع الى أواخر القرن العاشر، وقد امتازت هذه المرحلة بمزايا وعناصر المرحلة المتكاملة بلحاظ التغيرات الفقهية الحادثة فيها من قبيل الأبحاث الاستدلالية، النقد والاشكال، الحداثة الفقهية، التوسّع في المسائل الفقهية والاُصولية، تأليف موسوعة فقهية هامّة، والدخول في بحث علم الدراية وظهور اصطلاحات فقهية وقواعد جديدة مختصّة بالفقه الشيعي، والخروج من حالة الركود والتقليد التي ألقت بظلالها منذ زمان الشيخ الطوسي (رض).                

وهناك شهادات علمية بحقّ المحقّق الحلّي ومقامه العلمي تدل على مكانته وفضله ومنزلته الفقهية و...

ومن الشواخص البارزة في شخصيته الدقّة في النظر وسرعة انتقال الذهن، وهما من الصفات التي ذكرها الأعلام له في حياته وبعد ذلك امّا من خلال الحضور في درسه، أو خلال المناظرة والحديث معه، أو من مراجعة تأليفاته وتصانيفه، وهنا نشير الى نماذج من تلك الشهادات:

- الفاضل الآبي (رض): من أعيان العلماء، ورأس الفضلاء.

 - العلّامة الحلّي (رض): كان أفضل أهل عصره في الفقه.

- ابن فهد الحلّي (رض): أعظم الفقهاء المتبحّرين.

- الفاضل المقداد (رض): العلّامة المحقّق والأفضل المدقّق.

- المحقّق الكركي (رض): رئيس الامامية في زمانه، محقّق المطالب الفقهية، منقّح الدلائل الشرعية.

- الشهيد الثاني (رض): شيخ الطائفة في وقته الى زماننا هذا.

- الشيخ بهاء الدين العاملي (رض): كان سلطان العلماء في زمانه.

- الشيخ الحر العاملي (رض): كان مرجع أهل عصره في الفقه وغيره.

- السيد حسن الصدر (رض): هو أول من نبع منه التحقيق في الفقه وعنه اُخذ، وعليه تخرّج ابن اُخته العلّامة الحلّي وأمثاله، أرباب التحقيق والتنقيح و...

س: ما هي مراحل الفقه والاجتهاد الشيعي من وجهة نظركم، وأيضاً دور المحقّق الحلّي (رض) في عصره، والحوادث العلمية في تلك المرحلة؟

ج: كما تعلمون أنّ لفقه الامامية عصرين:

1- عصر التشريع أو صدور الروايات والأحكام من ناحية المعصومين ( عليهم السلام).

 2- عصر تكوّن وتطوّر علم الفقه وحركة الاجتهاد الفقهي الذي دُوّنت فيه الأحكام ومسائلها، والتي ظهرت على شكل كتب فقهية وحديثية، وينقسم هذا العصر منذ بدايته وحتى الآن ـ بحسب العوامل والمضمون وخصوصياته والمسائل الفقهية ودور الفقهاء في ظهوره ـ الى ستّ مراحل.

وبعبارة اُخرى: تنقسم مراحل فقه الاجتهاد أو الاجتهاد الفقهي لدى الامامية ـ بعد امعان النظر في محتوى وباطن علم الفقه ومسائله لا العوامل الاُخرى الخارجة عن مضمون ذات علم الفقه ـ الى ستّ مراحل.

وهذا التقسيم ناظر الى طبيعة أحكام وموضوعات علم الفقه وبلحاظ ذاته ونفسه، حيث تنقسم المتعلّقات وأحكامها الشرعية الى مجموعات متناسبة، ولم يلحظ البحث عن فلسفة الأحكام والأغراض في التقسيم، بل يكون التقسيم على أساس نوع المجموعات لهذه المسائل، ونوع ومتعلّق الحكم، وهو تقسيم فنّي ومناسب.

بينما ذكر البعض هذا التقسيم بنحو آخر نظراً الى أخذ عوامل اُخرى بنظر الاعتبار، من قبيل تأسيس الحوزات العلمية من قبل الفقهاء، أو من الناحية الاجتماعية والسياسية والجغرافية، وهو أنّ الحوزات العلمية في اي زمان من الحكومات والحكام ازدهرت وتوسّعت، أو أنّ التقسيم على أساس تراجم الفقهاء وتاريخ طبقاتهم و... ، ولكن بالمعنى الذي ذكرناه، أي أخذ المحتوى والتغيير الحادث في باطن الفقه بنظر الاعتبار فانّه يمكن تقسيم المراحل الى ست، وهذا يعني أنّ علم الفقه أساساً في أي زمان تكوّن ودُوّن بشكل علمي مستقل، وما هي المسيرة العلمية في تكامله، وكم هي المراحل في توسّعه والتحوّل الحاصل في محتواه؟

ولا يخفى أنّ لكلّ مرحلة مواصفاتها وخصائصها الخاصة بها، وكانت المرحلة الثالثة مرحلة التكامل والتوسعة والازدهار، وعلم الفقه كما ذكرنا مرحلة عظيمة ومباركة بدأت منذ زمان المحقّق الحلّي (رض) واستمرّت الى زمان المحقّق الكركي (رض)، والحق والانصاف أنّه يمكن القول أنّ المحقّق الحلّي (رض) كان رئيس وعظيم هذه المرحلة، حيث تربّى على يديه علماء أعاظم أمثال العلّامة الحلّي، فخر المحقّقين، الشهيد الأول، الفاضل المقداد، جمال الدين السيوري، ابن فهد الحلّي و... الذين كانوا من أعلام وأقطاب هذه المرحلة.

وعلى الرغم من وجود أعاظم وفقهاء كانوا من مشاهير هذه المرحلة يمكن الاشارة الى نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي المعروف بالمحقّق الحلّي بصفته أحد الأعلام ومؤسّس هذه المرحلة التي نشهد فيها ازدهار وتكامل الفقه الاجتهادي.

يتبع...

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1362 sec