رقم الخبر: 345670 تاريخ النشر: كانون الأول 28, 2021 الوقت: 15:25 الاقسام: مقالات و آراء  
مسار التطبيع بين العرب وإسرائيل، الأفق والنتائج (2)
طاولة البحث التخصصية

مسار التطبيع بين العرب وإسرائيل، الأفق والنتائج (2)

* النموذج الذي بدأ بعد العام 1967 مع كامب ديفيد هو أن إسرائيل أحست بأن الحروب التقليدية والمتكافئة والتي هي موضوع بحثنا قد انتهت فائدتها مع نهاية العام 1973 ولم تعد الحرب تحقق الشرعية لإسرائيل.

الخطوة الأولى التي اتخذها الإسرائيليون كانت خطوة عنيفة وبعدها قاموا أيضا باستخدام الأساليب الناعمة لضمان أمنهم، بمعنى البدء بالتفاوض والضغط على الأردنيين.إذا نظرنا إلى التاريخ فإننا نجد أنه منذ العام 1967 وحتى العام 1975 عندما شكلت ساف فإن الأردن كان يرزح تحت الضغط من كلا الطرفين الأمريكي والإسرائيلي كي يتفاوض باعتباره الطرف المسيطر على الضفة الغربية.

كان الأردنيون يشعرون بالخوف والخطر وكانوا حذرين لأنهم كانوا يشعرون بأنهم إذا دخلوا في مفاوضات فإن عليهم أن يتفاوضوا حول شيء تعريفه ووصفه ومفهومه هو شعب بلا أرض، وأنهم إذا ما توسطوا لشعب بلا أرض وتفاوضوا حوله فما الذي سيحصل؟ سيصبحون الضامن لأمن وبقاء إسرائيل. لذلك كانوا كارهين لهذا الأمر من جهتين، الجهة الأولى هي أنهم لم يكونوا يودون أن يصبحوا الضامن لأمن إسرائيل، والثاني هو ماذا يقولون نيابة عن العرب وللعرب؟ أننا ضمنا أمن الكيان الصهيوني! لذلك لم يكونوا يرغبون بالأمر. استمر هذا الأمر حتى العام 1975 عندما تشكلت ساف، حين تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية تنفس الأردنيون الصعداء واختبأوا خلفها وقالوا لهم بأنكم أنتم من يتولى أمر فلسطين الآن فاذهبوا وتفاوضوا، إلى أن حل العام 1982 واقتراح ريغان الذي كان بالأساس رغبة الملك حسين، عندما أعلن بأن ساف تتفاوض نيابة عن الشعب الفلسطيني كانت هذه رغبة الملك حسين الذي دعم ساف وعرفات من أجل الدخول في مفاوضات. لو نظرنا إلى الأمر بعيون الكيان الصهيوني نجد بأن معنى هذه المفاوضات بعد العام 67 والأهداف التي تترتب عليها ليس تحرير الأراضي المحتلة في محيط فلسطين وإنما إيجاد الكيان الصهيوني حائلا لنفسه، بمعنى الدخول في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، العام 1973 يمثل نهاية الحروب التقليدية بين الجيوش العربية والكيان الصهيوني وبعده نصل إلى العام 1979 واتفاقية كامب ديفيد، يقول المصريون لقد استطعنا استعادة سيناء، ولكن أي سيناء؟ سيناء المسلوبة الإرادة والتي لا يمكنهم أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، فحتى دخول قوات عسكرية إليها ونوع الأسلحة المسموح لهم بإدخالها من خفيفة ومتوسطة وثقيلة قد تم إدراجها في المعاهدة، وقد جاء في بنودها أعداد القوات التي يسمح لمصر بإدخالها إلى هناك وتجهيزاتهم وتركيب القوات والحالات التي يسمح لهم فيها بالدخول إلى المنطقة وهذه الأمور خلقت حائلا لهم. إذا فالعنصر الأول في دخول الإسرائيليين المفاوضات من ناحية أهدافهم ومن منطلق رؤيتهم هو إيجاد عمق استراتيجي. لقد بدأوا هذه المفاوضات مع الجميع، حتى مع حافظ الأسد أيضا، وقد تمسك بكلامه  وقال في المفاوضات غير المباشرة التي جرت: خط الرابع من حزيران لعام 1967، لا أكثر ولا أقل، لقد قمت بالسباحة في طبريا في السابق ويجب أن أتمكن من فعل ذلك الآن أيضا. لذلك واجه الموضوع عقبة وتراجع.

في صفوف الكتائب اللبنانية والذين كانوا صهاينة، عندما وصل بشير الجميل ابن بيير الجميل إلى السلطة بدأوا بالارتماء في أحضان إسرائيل من تلقاء أنفسهم من دون أن يطلب الإسرائيليون ذلك وبسرعة أعلن بشير عن اتفاقية من جانب واحد وقد أدت إلى مقتله، دامت فترة رئاسته أقل من سنة، لم تدم أكثر من الفترة من سبتمبر وحتى نوفمبر من عام 1983 حيث تم قتله. عندما خلف أمين الجميل أخاه قلب الطاولة وأعلن بأنه ليست بيننا وبين الإسرائيليين معاهدة، بمعنى أن ضمان بقاءه في السلطة وخلافته لأخيه كانت مشروطة بإدارة ظهره للاتفاق وعدم الالتزام به. إذا ما تقدمنا إلى الأمام فإننا سنصل إلى أوسلو، نفس أوسلو التي قدمها ريغان عام 1982 على أساس تشكل ساف في العام 1975 هي أوسلو العام 1991، وتبدأ المفاوضات ويصبح العام 1993 عام أوسلو رقم واحد. هنا يتعهد الإسرائيليون بأنهم سيقومون بمنح الفلسطينيين دولة ضمن مشروع التقسيم للأمم المتحدة  الذي يشرعن دولتهم مقابل أن يضمنوا التعهد بأوسلو واحد من خلال أوسلو اثنين بعد خمس سنوات. في العام 1995 أعلنوا بأن ما نعطيكم إياه لا يتجاوز سلطة حكم ذاتي ولا نعترف بكم كدولة أبدا. ما أريد قوله هو أن النموذج الذي بدأ بعد العام 1967 مع كامب ديفيد هو أن إسرائيل أحست بأن الحروب التقليدية والمتكافئة والتي هي موضوع بحثنا قد انتهت فائدتها مع نهاية العام 1973 ولم تعد الحرب تحقق الشرعية لإسرائيل، الشيء الذي يضمن أمن وبقاء إسرائيل هو العمق الاستراتيجي، وقد تم إنشاء هذا العمق الاستراتيجي ولكن إسرائيل ليست مستعدة لدفع ثمنه وإنما تريد من الطرف المقابل أن يدفعه، وهل الطرف المقابل مستعد للتفاوض؟ وإذا ما أراد صحراء سيناء فيجب عليه التعهد بضمان الأمن والحفاظ على العمق الاستراتيجي حتى يتم التعامل معه. ما تفضل به السيد أماني صحيح، لقد تم الحفاظ على الشكل الظاهري للتعامل السياسي ولكن من الناحية الدبلوماسية لا نرى أي تعامل، فالسفيران الإسرائيليان في مصر والأردن لا يستطيعان بأي شكل من الأشكال التجول بحرية في المدينة وسط الناس وداخل المجتمع.

عندما قامت الثورة الشعبية في مصر في 25 من يناير عام 2011 رأيتم بأنهم ذهبوا أولا إلى السفارة الإسرائيلية، إذا هم لا يملكون شرعية وسط المجتمع المدني ولا يستطيعون تقديم براغماتيتهم كعلاقات دبلوماسية متعارفة، لهذا السبب فإن أول هدف سعى الإسرائيليون لتحقيقه هو إيجاد عمق استراتيجي وهو ماتمكنوا من تحقيقه إلى حد ما من خلال اتفاقية كامب ديفيد وفي وادي عربة من بعد أوسلو عندما خلعوا سلاح ساف ولم يعترفوا بها كأكثر من سلطة غير مستقلة وغير حكومية، سلطة ذاتية. كذلك فإنهم لم يمنحوها الشرعية ومثلوا بها، بمعنى أنهم رتبوا أوضاعهم الداخلية واتجهوا للمحيط الخارجي حولهم. لقد قلت كيف كان وضع لبنان، مع سوريا لم يصلوا إلى نتيجة، ومع مصر تمكنوا من الوصول إلى نتيجة، مع الأردن أيضا وقعوا على اتفاقية وادي عربة مع الملك الحسين في سنة 1994. دخل الملك حسين المفاوضات لأن باله كان مرتاحا من ناحية ساف  ولم يكن يريد تحمل تبعات القضية الفلسطينية من الناحية العربية، وأيضا لكي يحافظ على دور الأردن كمسؤول عن إدارة القدس، فتبقى القدس تحت إدارة الأوقاف الأردنية وتبقى للأردن هذه الشرعية والمكانة التي حاز عليها من خلال ذلك ويبقى متوليا لشؤون أول مسجد للمسلمين وقبلتهم، ومن ناحية أخرى يقدم نفسه في العالم العربي كمدافع عن الشعب الفلسطيني. على أية حال كان الأردن أول دولة تحملت العبئ الثقيل للهجرة بعد العام 67 ولكنهم وصلوا إلى يوم الجمعة الأسود عام 1970 وحصل ما حصل حيث اشتبكوا مع ساف، لقد تحاربوا مع عرفات وأخرجوهم إلى سوريا وبعد ذلك حصلت التطورات في سوريا ولبنان والحرب الأهلية اللبنانية  وفي النهاية أخرجهم اللبنانيون تحت ضغط الكيان الصهيوني وذهبوا باتجاه تونس، وهذا أمر لا أود الدخول فيه.

ما حصل هو أنه بعد بسبب قبح أمر إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني والذي كان الهدف منه إيجاد عمق استراتيجي له نبذ العالم العربي مصر لخمس سنوات وضغطوا عليها وقالوا بأنه من اليوم فصاعدا لايجب أن يكسر قبح العلاقة مع إسرائيل، كان الحل هو أن يكون في العالم العربي مندوبان هما طرفان في معاهدة مع إسرائيل ويلعبان دور حلقة الوصل بين العالم العربي والكيان الصهيوني، في الواقع كان من المفترض بأن يتم ترسيخ المعادلات في المفاوضات  وأن تذهب المفاوضات باتجاه حل المعضلة الفلسطينية،  ولكن ليس عن طريق 22 دولة عربية وإنما يكون هناك ممثلان خاصان قد أعطيا صلاحيات كاملة، ومن هنا يأتي موضوع دور الأردن كطرف موازن على مستوى المنطقة. على صعيد الوضع القديم والجديد الذي تفضلتم به ما الذي حصل؟

هنا تم كسر قبح إقامة علاقات مع إسرائيل، بمعنى أنه قد تم خداع الأردن  وموضوع العلاقات تحت الطاولة مع الكيان الصهيوني الذي ذكره السيد هنرمندزادة سواء في المجال السياسي أو الثقافي أو التجاري والاقتصادي قد أصبح علنيا. بمعنى أن تولي مصر والأردن لموضوع الارتباط بين 22 دولة عربية وإسرائيل قد انتفى عندما صار هؤلاء يتفاوضون علنا، وهذا هو الاختلاف الذي حصل.

العنصر الأول هو عنصر العمق الاستراتيجي، الكيان الصهيوني كان يسعى عن طريق تلك الحروب للدخول إلى عمقهم الاستراتيجي من أجل ضمان الأمن. السبب وراء ذلك هو أنكم لو نظرتم إلى خريطة فلسطين ستجدون أنها شريط جغرافي طويل ولو نظرتم إلى أعرض جزء منه فستجدون أن الضفة الغربية تقع في داخله، أحد الأسباب الذي يجعلهم يريدون الاستيلاء على الضفة الغربية هو الممرات الثلاثة للأراضي المحتلة، الممر الشمالي والأوسط والجنوبي. الممر الجنوبي لا يمكن الاستفادة منه، ذلك من وجهة النظر الإسرائيلية، فهناك صحراء النقب التي لايوجد فيها سوى منشآت ديمونة. تعالوا إلى إيلات المشتركة في ميناء العقبة الأردني والتي فيها القاعدة البحرية للكيان الصهيوني في الجنوب، في الوسط والمركز لديهم قواعد جوية، وبسبب الضفة الغربية فإن هذه المنطقة قد اصبحت ضيقة. منطقة الممر الأوسط ليست في حالة هادئة لذلك فإنهم يسعون في صفقة القرن إلى أن تكون حصة الفلسطينيين من الأراضي المحتلة سواء في الضفة أو غيرها شيئا يتراوح بين 11 إلى 12 في المئة، وقد قلت بأنها 15 في المئة في صفقة القرن  ولكنها لاتصل إلى هذه النسبة، وإذا ما حدث ذلك وتراجعت حصة الفلسطينيين إلى 11 في المئة فستتراوح حصة إسرائيل بين 89 و 90 في المئة.

إذا ما ذهبنا إلى الممر الشمالي فسنجد أن لديهم ثلاث قواعد نووية، إذاً الموضوع الأساسي بالنسبة لهم هو جنوب لبنان، وهو ما نسميه بالجبهة الشمالية. الجبهة الشمالية مهمة بالنسبة لإسرائيل لأن لديها قاعدتين جويتين وقاعدة بحرية في أشدود وأيضا ثلاث قواعد نووية وهي ذات أهمية كبيرة لهم من الناحية العسكرية والاستراتيجية. الآن لو أخذنا هذه الجغرافيا الممتدة فإننا نحتاج إلى التحكم في أطرافها الأربعة إذا ما أردنا أن نضمن الأمن، ولا يمكن تحقيقه من دون عمل ذلك. إذاً عنصر العمق الاستراتيجي هو الذي دفع بهم للتقدم وتحقيق هذه النتائج، مثلا حققوا أوسلو ونزعوا سلاح الفلسطينيين ولا زالوا مستمرين في قضم أراضيهم لأنهم لم يحصلوا على الشرعية كدولة. في اتفاقية كامب ديفيد تمكنوا من جعل سيناء عاملا لأمنهم أو حائلا لهم ولا يستطيع المصريون الدخول إلى المنطقة وتحكمهم شروط صعبة، على الرغم من  عودة سيناء إلى مصر إلا أنها ليست كسيناء القديمة ما قبل العام 67. كذلك بالنسبة لاتفاقية وادي عربة، فقد أخذوا منطقتي الغمر  والباقورة من الملك حسين طبق اتفاق مدته عشرون سنة وبناء على مطالبة الأردنيين أعادوهما للملك عبدالله بعد العام 2017. مناطق قالوا بأنها غير صالحة للزراعة ولا تفيدكم في شيء، جاءوا  واستصلحوها ووفروا لها المياه من خلال تحليتها  وزرعوا فيها أفضل أنواع النخيل وصدروا تمورا ذات جودة عالية يفوق عائدها أي برميل نفط. لم يكن نتنياهو والإسرائيليون راغبين بإعادة الباقورة وغمر للأردنيين  ولكن بحسب القوانين الدولية ولأن مدة الاتفاقية كانت عشرين سنة اعترض الملك عبدالله واشتكى  وأخذ المنطقتين ولكنهم لم يعطُ الأردنيين خرائط العبوات الناسفة المزروعة في الأرض وأجهزة التجسس والتنصت.بل إنني أريد القول بأن الأردن وأي دولة تدخل في اتفاقية مع إسرائيل وتقيم علاقات معها تتعهد بأن لا يكون لها جيش أو على الأقل أن لا يكون لها الحق بإدخال قوات عسكرية بمعدات ثقيلة بعد نقطة ما، بمعنى أن لا تكون لديهم وضعية عسكرية وإنما وضعية أمنية. لو أمعنتم النظر في الجيش الأردني فستجدون أنه عبارة عن قوات للتحكم بالمجتمع المدني من أجل رفع مستوى الأمن لإسرائيل، فإذا ما ذهبتم إلى البحر الأحمر الذي هو نقطة حدودية مشتركة مع الأراضي المحتلة فستجدون بأن جمع الرشاشات موجهة إلى داخل الأردن لا إلى إسرائيل.

العنصر الثاني والذي أطلق عليه اسم المقاربة التكتيكية هو أن الإسرائيليين لم يتمكنُ من امتلاك عمق استراتيجي ولكنهم قالوا بأنه يجب يكون لدينا الحد الأدنى من هذه المعادلة والاستراتيجية واتخذوا خطوات تكتيكية، ما هي إعمالهم التكتيكية؟ المحافظة على مشهد وشكل المفاوضات مع الأطراف المحيطة. العمل التكتيكي يتعلق بالجوار المحيط، فقد تفاوضوا مع لبنان حول الجرف القاري، كما تعلمون فإن كل منطقة الجرف القاري في البحر المتوسط شرق لبنان  وفلسطين المحتلة هي محل اختلاف في مجال النفط  وقد تم التفاوض حولها مرارا، يعتقد حزب الله بأن القوة العسكرية هي التي يجب أن تكون حاضرة على طاولة المفاوضات لا السياسية والاقتصادية، ولكن الحكومة اللبنانية ذهبت للمفاوضات ضمن إطار سياسي اقتصادي. كذلك هو الحال مع سوريا، منذ سوريا حافظ الأسد وحتى سوريا بشار الأسد كانت المفاوضات موجودة، وأيضا في موضوع الأسرى اللبنانيين كانت هناك مفاوضات والتي أطلق عليها اصطلاح مفاوضات تكتيكية، بمعنى أنه في المواقع التي لا تستطيع الحصول فيها على عمق استراتيجي تحتاج إسرائيل من خلال اتخاذ خطوات تكتيكية إلى الحصول على تلك العوامل خلال فترات زمنية معينة.

العنصر الثالث الموجود يتعلق بموضوع بحثنا لليوم، وقد بدأ السيد الدكتور أيضا هذا البحث والذي أسميه التغيير الجيوسياسي، الشيء الذي يتعلق من خلال النظرة الإسرائيلية بالتغيرات الجيوسياسية وهي تشمل التطورات الدولية والتطورات والتغيرات الإقليمية. هناك أيضا نظرة إسرائيل لإيران كعدو، يعني أن هذا ليس أمرا خارجا عن قواعد اللعبة، فإذا ما أقامت إسرائيل قواعد عسكرية حول إيران في أفغانستان  وكردستان العراق وأذربيجان وأرمينيا وتركمنستان فإن من أهدافها الرئيسية محاصرة إيران ومراقبتها استخباراتيا والعمل ضدها في المناطق المحيطة بها التي تتناسب ثقافيا وحضاريا معها، والإسرائيليون يعملون بجهد من أجل احتواء إيران والتحكم بها.

ما أود طرحه  هو التغييرات الجيوسياسية، ما هي التغييرات الجيوسياسية؟  قلنا بأنهم أوجدوا عوامل للأمن وعمقا استراتيجيا، وعلى المستوى التكتيكي قاموا باحتواء الأمور، صحيح أنهم لم يستطيعُ أن يصبحوا عاملا مؤثرا في معادلات تغيير النظام السوري، في حقبة الثمانينات لدينا المقاومة الإسلامية، سنة 1979 ومطلع عقد الثمانينات لدينا قيام الثورة الإسلامية وتغير معادلات المنطقة التي انتقلت بعد العام 73 من الحروب التقليدية إلى الحروب غير المتكافئة وهو المجال الذي تملك فيه المقاومة الإسلامية الريادة. هنا تنقلب المعادلات العسكرية وموضوع المعدات العسكرية، بمعنى أن الإسرائيليين لا يستطيعون أن يكونوا أصحاب الأفضلية هنا، وكما ترون فإنهم يبنون حولهم حائطا، يعني نعود إلى الشيء الذي كانت إسرائيل تريد تحقيق نتيجة فيه وكانت تسعى وراء الهدف من العمق الاستراتيجي. مع الثورة الإسلامية وظهور المقاومة الإسلامية تنعكس الأمور، الإسرائيليون الذين جعلوا من سيناء والضفة الغربية والخلافات السياسية  والحرب الداخلية اللبنانية عامل أمن وعمقا استراتيجيا لهم يبنون اليوم جدارا حولهم في الأراضي المحتلة.

النقطة المهمة هي أنه مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الإقليمية والدولية فإنها ترتبط بالمقاربة الأمريكية، وفي جواب للسؤال عن أمريكا سأجيب بأنه ماذا كانت الاستراتيجية الأمريكية فيما يتعلق بإسرائيل؟ هنا سأذكر نقطة حول ذلك بأنه لماذا قلت عمقا استراتيجيا؟ بسبب أن الأمريكيين قد وضعوا ثلاث استراتيجيات سأذكرها الآن ولو احتاج الأمر لأن أوضحها فسأفعل ذلك في المرحلة الثانية. لقد وضع الأمريكيون ثلاث استراتيجيات تحت مسمى الإبهام المتعمد، واحدة استخدموها مع الفلسطينيين وأخرى استخدموها مع الإسرائيليين بحيث يأتون لطاولة المفاوضات ولكن من دون الحصول على نتيجة، ونرى خلاصة ذلك في أوسلو حيث لم يحصل الفلسطينيون على شيء. هذا الأمر امتد من بعد نهاية الحرب الباردة وحتى المرحلة الأولى من عهد ترامب،  وفي عهد ترامب تغيرت الاستراتيجية الأمريكية  وأصبحت شراكة استراتيجية، ما حدث في صفقة القرن هو حسم الأمر لصالح جهة واحدة، يعني تأسيس دولة واحدة صهيونية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. اليهود واللغة اليهودية أو العبرية  والدولة اليهودية الواحدة لا مكان فيها لأي حضور فلسطيني، هذا ما ترسمه صفقة القرن.

في عهد بايدن تغيرت الاستراتيجية، يعني بعد خروج الجمهوريين من السلطة، يقول السيناتور الأمريكي تد كروز بأن هذا فيه تضعيف لإسرائيل، أنا لا أعتقد بذلك لأن لديهم استراتيجية مشتركة وعوامل استراتيجية مشتركة مع بعضهم وليس هناك تضعيف لإسرائيل أبدا، ولكنه يأتي بشواهد وأمثلة على ذلك مثل موضوع أرامكو وحرب ال12 يوما حيث يقول بأنه خلال الحرب التي امتدت ل55 يوما أطلقت المقاومة 390 صاروخا، أما في حرب ال12 يوما أطلقت 4360 صاروخا، هنا لم يكن الباتريوت حاضرا في المعادلات الدفاعية وإنما استخدمت القبة الحديدية وبان مستواها بحيث أن رئيس الأركان الإسرائيلي بني غانتر ذهب بعد ذلك مباشرة إلى أمريكا  كي يستطيعوا صيانتها وإعادة بناءها بمليار دولار. أما الأمر الذي يحصل في العنصر الثالث الذي هو التحول الجيوسياسي وهو ما تريده إسرائيل، بمعنى أن استراتيجية إسرائيل هي التغيير الجيوسياسي على مستوى المنطقة والذي قلت بأنه يتحقق من خلال أحداث المنطقة وكذلك احتواء إيران في المعادلة، ما الذي يحدث؟ دول صغيرة لم يكن أحد حتى الأمس القريب يحسب لها حسابا وكان يطلق عليها أقاليم زجاجية صحراوية قبائلية، ترون اليوم بأن أكبر عدد من القواعد وأكبر قدر من الاستثمار في المجال الجيوسياسي للبحر الأحمر يعود لدولة الإمارات الصغيرة. لقد رأوا بأنهم إذا ما أرادوا لعب دور يتجاوز منطقة دول الخليج الفارسي فإنهم يحتاجون إلى داعم،  وهذا الداعم هو الكيان الصهيوني، لماذا؟ لأن الكيان الصهيوني يملك القدرات وهم يملكون المال وإذا ما جمع هذان الشيئان فإنهم يستطيعون خلق قدرة  وإمكانية. النقطة المحورية والمركزية لذلك البحث هو دول الخليج الفارسي الذي نرى فيه اليوم خلافات بين الإمارات والسعودية، لو أحست السعودية أن إيران ستغلق مضيق هرمز في يوم من الأيام فإنها تستطيع الوصول إلى بحر عمان من خلال الإمارات، هذه الخلافات وصلت إلى حد ذهب معه هيثم، سلطان عمان إلى السعودية، إنه عمل عجيب أن تروا طريقا كبيرا يمتد من السعودية إلى سلطنة عمان وأن تمتد أنابيب النفط من المنطقة الشرقية والإحساء في السعودية إلى سلطنة عمان بحيث تصبح موانئ عمان على بحر عمان أو مدخل المحيط الهندي منفذ السعودية لتصدير النفط. النقاط المركزية والأماكن الموجودة هي أولا، مضيق هرمز وثانيا، مضيق باب المندب، وثالثا قناة السويس، ولكن ما حصل هو أن إسرائيل من خلال استثمار هذه الدول وإغراءهم بإعطائهم دورا يتعدى الإقليم بحيث يخرجون من إطار الأقاليم الزجاجية الملكية ويستطيعون القيام بدعاية سياسية، قد وضعتهم على مسار وضع الأسس الجيوسياسية، أين؟ إذا ما أمعنتم النظر فستجدون بأنه إذا ذهبنا من مدخل المحيط الهندي إلى الأعلى فإننا نجد الصومال وجيبوتي في مدخل مضيق باب المندب، في ذلك الطرف ايضا هناك الحرب السعودية اليمنية، يعني يريد السعوديون أن يكون لهم حضور ونفوذ هناك ليستخدموه كورقة ضغط. كذلك هو الوضع في إريتيريا، للإسرائيليين قاعدة في سوقطرة حتى وفي إريتيريا لديهم أربع قواعد اثنتان منها على الأقل مشتركة مع الإمارات العربية المتحدة.

أتوجه إليكم بهذا السؤال، لقد تفاوضنا قليلا في إريتيريا ومع أننا دولة يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة وتبلغ صادراتنا من النفط 4 ملايين برميل إلا أننا لم نستطع أن نحصل على قاعدة هناك وأن يكون لنا ممر آمن من القراصنة من خلال مرافقة السفن الحربية التجارية وليست لدينا قاعدة هناك، أما الإسرائيليون فقواعدهم تملأ تلك المنطقة، من جهة هناك دولة جنوب السودان ومن جهة أخرى هناك مصر التي يتفقون ويتفاهمون معها. ما يحصل هو أننا نحاصر في هذه المنطقة من الشمال إلى الجنوب، نعلق في عنق الزجاجة، ويكون الميدان الاقتصادي للمنطقة في يد إسرائيل.

 السيد أماني يعرف أكثر مني بأنه منذ العام 1973 وقع حادثان في قناة السويس، الأول حرب 73  والثاني هو السفينة اليابانية التي أغلقت القناة لعدة أسابيع وتوقفت حركة السفن في القناة. لقد ضغطوا على المصريين وقالوا لهم أن يعطوا تيران والصنافير للسعودية وفعلوا ذلك وبنت السعودية مدينة نيوم في ذلك المضيق. ما يحصل في نيوم هو الاتصال مع مدينة حيفا، ما تقوم به أمريكا من خلال الضغط على العراق مع الشام الجديد لتشكيل مثلث العراق  والأردن ومصر هو الاتصال بحيفا، بمعنى أنهم يجبرون العراق على الاتجاه نحو إسرائيل في المجال الاقتصادي بحيث يضطر تحت الضغط إلى أن يكون على الطرف الإسرائيلي، لماذا ؟ لأن لمصر اتفاقا لتصدير الغاز إلى إسرائيل والأردن أيضا لديه اتفاقية لاستيراد الغاز من إسرائيل منذ العام 2016 وهذان الأمران مرتبطان. كيف يمكن لخط أنابيب البصرة أن يصل إلى العقبة ومن هناك إلى الإسكندرية من دون أن يصل في النهاية إلى حيفا؟ الإسرائيليون يسعون لإحداث تغيير جيوسياسي في المنطقة وقد أمسكوا بأمن الممرات، فهناك السعودية التي لا ترى عيبا في العلاقات مع إسرائيل وبينهما مفاوضات سرية بحيث لو كان الجمهوريون وترامب في السلطة لكان لإسرائيل اتفاقية تطبيع مع السعودية كذلك ، ولكن السعودية ليست مستعدة أبدا للظهور بمظهر سيء أمام العالم الإسلامي، فهم يتزعمون العالم السني ويدعون خدمة الحرمين وأرادوا كذلك سحب البساط من تحت قدمي ملك الأردن ليصبحوا خدام ثالث الحرمين كذلك، لقد قال ابن سلمان لنتنياهو أعطنا هذا وارتاحوا منه لأن الأردنيين لهم ادعاء في الحجاز ولطالما كانت هناك خلافات تحت السطح بين السعودية والأردن فيما يتعلق بسايكس بيكو. ما يجري هو الآن الإسرائيليين ينتظرون الفرصة لشق قناة بين إيلات  وميناء أشدود، وإذا ما حصل ذلك فإن قناة السويس ستفقد أهميتها وسيصبح المصريون بلاهوية أو أهمية  سيعانون من مشاكل اقتصادية، هذا علاوة على موضوع سد النهضة الذي تنفخ إسرائيل على جمره لتزيده اشتعالا وتقوم حرب بسببه، فهم يريدون أن تتدمر أي قوة عسكرية تقع حولهم. في ظل هذه التغيرات الجيوسياسية تهدف السعودية لنقل خطوط أنابيبها من جنوب المملكة بعيدا عن مضيق هرمز. قطر كذلك تحدثت مع الإمارات للاستفادة من موقعها من أجل الوصول إلى سلطنة عمان، مع العلم بأن السعودية تتحرك كذلك من الجنوب إلى الشمال ليكون لهم خطوط أنابيت تصل إلى البحر الأحمر كذلك.

يتبع...

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/6140 sec