رقم الخبر: 345916 تاريخ النشر: كانون الثاني 01, 2022 الوقت: 16:07 الاقسام: ثقافة وفن  
"لم أكن أخشى شيئاً"

"لم أكن أخشى شيئاً"

كثيرة الكتب التي كُتِبت عنه سواءً كانت حصيلة تجميع مخطوطات خُطّت بيده أو غيرها التي شملت تقاريظا عنه على الخصوص بعد استشهاده في العمليات الغادرة التي تبنّاها أشقى الناس، الا أنّ ما راق لي منذ صدوره هو الكتاب الذي أخرِج بحلّة بسيطة حاملا مذكرات الطفولة وصبا الحاج قاسم، جمعَته وقدّمته للنشر زينبه التي أصبحت صوته في غيابه.

ورغم أن جمهوره مليوني ووفيّ وصنع له جنازة شعبية أسطورية لكن البنات والزينبيات منهن، هنّ اللواتي يكونن الصوت الصادح لملاحم تخلقها الآباء، وأما الجماهير -أحيانا وليس دائما- لا تتمتع بذاكرة تاريخية بعيدة المدى، وبهذا فالخلود هنا لحروف زينبية وجهود مباركة تتطلّع لتخليد ذكراه وسَنّ مدرسة خاصة تُربّي أجيالا على نهجه.

أما أنا فأحاول  سلك متاهات التعبير، بغية اصطياد بنات الفكر اللواتي تفرّ مني كلّما حاولت أن أمسك بطيفه الذي بات يلاحقني منذ أن قرأت له أول مرّة كتابا خطه بيده يخاطب فيه صاحب منزل في سوريا حلّ به القائد المجاهد و رفاقه ضيفا واحتمى بفناءاته التي هجرها أهلها خشية غارات العدو. كان قد كتب له بلغة عربية رسالةَ اعتذار على أنه دخل الدار دون إذن من صاحبها واحتمى بجدرانها ليحميها ويحمي الأرض التي تحويها. فحينها سألت ظله: أي انسان أنت؟ هل الجدران حمتك تحت ذاك القصف أم أنت حاميها؟ فأجابني حينها: لست أنا بل الله حاميها... 

رغم أنه كان أحد كبار قادة الدفاع عن الوطن في الحرب الصدّامية الا أننا لم نكن نعرفه ولم يذع له صيت الا بعد اندلاع الحرب بسوريا، أي عندما هَمّ ليكون جنديا من جنود غيارى تحمي الحرمات المقدسة من دنس الارهاب والتكفير. لم يكن يعرفه العالم رغم أنه كان "أقوى مسؤول سرّي في الشرق الأوسط" حسب اعتراف "جون ماغواير" الضابط السابق لوكالة الإستخبارات الأمريكية في العراق. لم نكن نعرفه لهروبه الدائم من منصات الإعلام وضجيجها توضعا منه. لم نكن نعرفه ليس لخشية شيء فهو "لم يكن يخشى شيئا" بل لانه ألغى الـ "أنا" وتمسك بمفهوم التضحية والجهاد في سبيل الأمة الإسلامية والعقيدة.. وذلك ليس لشيء الا لأنه يحمل شعار هيهات منا الذلة، فناصر قضية الحق وحارب لاجلها حتى غدرت به الأيادي القذرة التي كانت تهابه دوما وتخشى سطوته وقدرته.. غدرت به لتتمكن من إغلاق جفنها وتنام مرتاحة البال وتتنفس الصعداء.

بعد الرسالة العربية التي أشرت اليها، كان كتاب "لم أكن أخشى شيئا" ثاني ما أبهرني من مخطوطات الشهيد قاسم سليماني. وهنا وفي هذا الكتاب تلمست جذوره الممتدة في أرض خصبة.. فمن الجذور نعرف ما يمكن أن تينع الأشجار. فقد شرح في هذا الكتاب قصة شاب قروي قام ليحارب صعاب الحياة من قرية نائية في مدينة كرمان الواقعة في قلب الصحاري الايرانية حيث شحّة موارد وكثرة عطاء وسخاء وإنسانية. في مذكراته التي جمعتها إبنته على هيئة كتاب يحكي لنا قصةَ راع إعتلى عرش السماء.

"لم أكن أخشى شيئا" قصة كفاح، قصة جهاد أكبر، ومن يتمرن بجدارة تمرينا كما وصفه الحاج في كتابه عما اختاره من درب في طفولته وصباه فمن الصعب أن يسلك طريقا غير التي سلكها.

ولم يكن غريبا عليّ ذاك الوجه اليانع المتعَب ففي وجهٍ يرسمه الكتاب عن شباب الحاج قاسم رأيت وجه أبي المنهك القروي الصحراوي ووجوه آباء كثيرين من بلادي ترعرعوا في بوادي بقلب الوطن ليجعلوا القلب نابضا، رجال يتقنون الصبر والقناعة ويجهلون الخوف والوجل، رجال يصنعون مستحيل الخضرة في قلب الجفاف، ويفجّرون ينابيع الخير والعطاء دون احتكارها على أنفسهم ليعمّ الخير على سبع جيران.

وبهذه الاوصاف عزف الحاج قاسم على أوتار الروح وأخذني باحثا تارة لمدن حارب فيها لافتش عما تركه المعلّم من دروس لي وللتاريخ، و سمّرني تارة أخرى أمام صفحات تنشر بخط يده تحكي عن جذوره وسلوكه. فوجدت هذا وذاك كله لـ "وجه الله وحده" وهذا حال من ترعرع و تربّى على أن يكون أبا حاميا ومعلّما معطاء.

"لم أكن أخشى شيئا" قصة الشاب الذي واكب ارهاصات الثورة الإسلامية الإيرانية الى أن وصل لقُبيل انتصار الثورة في عام 1979 على أن يستمر السرد الشيّق في كتاب آخر يكمله.

فطوبى له...

بقلم: محمد زرويي نصرآباد  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق-خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1997 sec