رقم الخبر: 347098 تاريخ النشر: كانون الثاني 19, 2022 الوقت: 16:44 الاقسام: مقالات و آراء  
فرنسا الحائرة وإيران الصاعدة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادئ (1)

فرنسا الحائرة وإيران الصاعدة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادئ (1)

"إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (آل عمران/140)

ملخص

ديناميكية التاريخ والجغرافيا والتحوّلات الكبرى في عالم دائم التغيّر تستدعي من كل دولة وقوة صاعدة وضع الرؤية الإستراتيجية حسب مصالحها الحيوية وأمنها القومي، نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على حركة التاريخ في منطقة المتوسط وعلاقتها بما يقع اليوم بالمحيط الهادئ والهندي، 1750 م كان مفصلياً في تاريخ الأمم حيث ولأول مرة تتوازن القوة بين الشرق والغرب ومن ثمّ سيصبح الغرب الأوروبي أولا ثم الأمريكي ثانياً القوة الكبرى المسيطرة على باقي الأمم والمشكّلة لعالمنا المعاصر حتى هذا التاريخ.

مثّلت فرنسا مركز إنطلاق لمفاهيم حضارية جديدة خاصة بعد الثورة الفرنسية 1789 م وحتى قبلها واستطاع نابوليون بونابرت بحروبه المتعددة داخل وخارج أوروبا أن يعيد تشكيل موازين القوة أوروبياً أولاً وشرقياً ثانياً ومثّلت بريطانيا المنافس الأبرز والخصم الأكبر لفرنسا بداية من 1792 م.

ظهر في العالم صراع الكتل الكبرى، الكتلة الأنقلوسكسونية بقيادة بريطانيا والكتلة الجرمانية بقيادة ألمانيا والكتلة السلافية بقيادة روسيا والكتلة اللاتينية بقيادة فرنسا. مع تفكك الدولة العثمانية وإنهيارها تقاسمت تركتها فرنسا وبريطانيا مع بداية القرن العشرين. إنتصار الثورة البولشيفية بروسيا 1917 والحرب العالمية الأولى 1914/1917 ثم الثانية 1939/1945 أضعف القوى الأوروبية (فرنسا، ألمانيا – بريطانيا) المتصارعة وحقق صعود القوة الأمريكية وظهور الإتحاد السوفياتي.

نستعرض أيضاً في بحثنا نشوء الإتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي وبداية الحرب الباردة – كان ومازال المتوسط ملاذ الدولة الفرنسية وسبيل قوتها ومجالها الحيوي منذ منتصف القرن التاسع عشر لكن إحتلالها من طرف ألمانيا النازية مثّل أول إنهيار لها كقوة كبرى ولولا بريطانيا تشرشل وزعيم كبير مثل الجنرال شارل ديغول لفقدت فرنسا كل قوتها.

تُعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تعمل من خلال رؤية جيوسياسية مستقلّة نسبياً عن الولايات المتحدة الأمريكية وتبني علاقاتها بما يخدم مصالحها وتوجهاتها الإيديولوجية والثقافية.

على مدى أكثر من سبع عقود فقدت فرنسا الكثير من قوتها مع صعود قوى كبرى أخرى بآسيا مثل الصين والهند وروسيا وقوى إقليمية فاعلة في غرب آسيا مثل إيران بعد نجاح ثورتها الإسلامية 1979 وتركيا الأطلسية.

المسألة الفلسطينية مثّلت هاجساً للديبلوماسية الفرنسية، ورغم وقوفها إلى جانب دولة الإحتلال الصهيوني وتمكينها من إمتلاك السلاح النووي 1950 تنظر "اسرائيل" بنظرة الريبة وعدم الثقة إلى فرنسا وجناحها الديغولي داخل وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسية.

هزائم أمريكا في كل حروبها منذ الحرب الكورية الى اليوم وسباق التسلّح مع الإتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا والصين حالياً أدّى إلى تقلّص قوتها وتراجع نفوذها أمام الصين خاصة، حيث تنافس الصين واشنطن على قيادة النظام الدولي لذلك أعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها وتغيير هرمية سلسلة حلفائها وعادت إلى مربّعها في الكتلة الأنغلوسكسونية ولتتحول من الأنطلنتيك إلى المحيط الهادئ والهندي لمواجهة الصين والروسيا.

فرنسا التي خسرت صفقة القرن مع أستراليا بأمر أمريكي وتحريض بريطاني تجد نفسها حائرة بعد طعنة الحلفاء في الظهر كما عبّر السيد جون إيف لودريون وزير الخارجية الفرنسي.

بين ترامب وكوفيد إذا جاز التعبير، وصعود المخاطر الجيوسياسية بجميع أنواعها في جميع أنحاء أوروبا. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت فرنسا في وضع أفضل وأقوى وأكثر استعداداً لمواجهة تحديات العالم مما كانت عليه قبل خمس سنوات. في بعض النقاط، يمكن الحصول على إجابة إيجابية: عندما يتعلق الأمر بالإنفاق العسكري، على سبيل المثال، فإن حكومات السيد ماكرون قد حافظت بلا شك على مسارها. لكن القلق الذي يجب أن يكون موجوداً في سجل آخر: على مر السنين التي مرّت للتو، الميل نحو عزلة معينة لفرنسا، إلى شكل من أشكال العزلة الإستراتيجية، وإلى التراجع على مستوى القوة والتأثير.

ما هي رؤية الرئيس ماكرون الإستراتيجية اليوم وهو مقبل على إنتخابات رئاسية ومن الملاحظ أن له الكثير من الحظوظ بالفوز بها سنجيب على أنه يجب على جميع القادة الفرنسيين أن يدركوا أن أزمة كوفيد وانتخاب جوبايدن قد أوصلت فرنسا وأوروبا الى علاقة مع الصين تذكرنا بما كان عام 1947 لصعود الحرب الباردة بين اتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفياتية والغرب.

من المشروع للأوروبيين بما في ذلك فرنسا عدم تفاقم المواجهة بين الشرق والغرب التي بدأت، سيحكمون على أنفسهم بالتهميش إذا سعوا إلى شكل من أشكال المساواة بين الصين والولايات المتحدة، أو حتى جادلوا في "طريق ثالث" افتراضي، من الناحية المفاهيمية، من المهم أن يدمج تفكير المسؤولين الفرنسيين هذا الوضع الجديد واليوم له طابع هيكلي تماماً.

واجهت فرنسا منافس جديد في شرق المتوسط وغربه تركيا التي تتمدد بحثا على الغاز والنفوذ بمنطقة شمال إفريقيا ووقعت بعض الإحتكاكات العسكرية بينهما في مياه المتوسط في شهر جون (يونيو) 2020. حلف جديد يرى النور بين تركيا وإسرائيل ودول التطبيع العربي للهيمنة على المتوسط بضفتيه، نتناول في دراستنا إمكانية تشابك المصالح بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية الفرنسية لوجود تهديد واضح لأمنهما القومي من طرف نفس الأطراف وحاجة كل واحد منهما للآخر على المستوى الجيوسياسي والإقتصادي والثقافي وأيضا في مجال الأمن والطاقة.

المقدمة

فقدت فرنسا الكثير من قوتها وتأثيرها في العالم وبعد أزمة 2008 المالية. فرنسا هي اليوم قوة متوسطة ذات تأثير جيوسياسي محدود وما أزمة صفقة الغواصات مع أستراليا الأخيرة والخسارة الفرنسية الكبيرة على الصعيد المالي والعسكري والإستراتيجي إلا دليل اضافي على تقهقرها ونزولها من سلّم الدول الأكثر تأثيراً في العالم لصالح منافسيها وخصومها الأنجلو ساكسون  خاصة بريطانيا الخارجة لتوها من الإتحاد الأوروبي والمؤسسة لتحالف "أوكوس" الأميركي البريطاني الأسترالي في منتصف سبتمبر 2021.

مثّل إلغاء عقد لشراء إثناعشر غواصة بدفع الديازل من نوع "باراكودا" من طرف أستراليا أُبرم سنة 2016 بقيمة تفوق 56 مليار أورو سميَّ بصفقة القرن، صدمة كبيرة في الأوساط الفرنسية السياسية العسكرية والأمنية وصفها وزير الخارجية السيد جون إيف لودريون "بالطعنة بالظهر" من طرف الولايات المتحدة و "خيانة عظمى" من طرف بريطانيا وتحوّلت صفقة القرن الى خيانة العصر. فرنسا مرّة أخرى تعيش الإذلال من طرف حلفائها الأقربين.

في صائفة سنة 2020 سعت تركيا الى التمدد في مياه شرق المتوسط للتنقيب عن الغاز والنفط في محاولة منها توسيع مجال جرفها القار وحدودها البحرية مع اليونان، ضغطت تركيا الى جارتها اليونان من أجل أن تكون جزر بحر إيجه خالية من السلاح وتم إبعاد سفينة الأبحاث نوتيكال جيو التي تحمل علم مالطا الى خارج ما تقول إنه جرفها القاري في البحر المتوسط.

شرق البحر الأبيض المتوسط يقع في موقع مركزي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وكان بمثابة مفترق طرق استراتيجي مهم للتجارة العالمية عبر تاريخه.

ويوفر شرق البحر الأبيض المتوسط أيضاً أقصر طريق بحري بين الأسواق الآسيوية والأوروبية، بفضل قناة السويس التي تربط المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. يمر ما يقرب من 12 في المائة من التجارة العالمية وأكثر من تريليون دولار أمريكي من البضائع عبر القناة سنوياً. كما تعمل المنطقة كطريق مهم لنقل البترول والغاز من الخليج الفارسي إلى الأسواق الأوروبية. يتم نقل ما يقرب من 70 بالمائة من احتياجات الطاقة في أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط سنوياً. كما بينا سالفاً أن القوى الأوروبية الفرنسية والبريطانية تهيمن على هذه المنطقة إضافة لليونان، لذلك تحاول تركيا التمدد على حساب اليونان وفرنسا بدعم أمريكي/ إسرائيلي وحتى صيني بعد وصول البحرية الروسية الى المتوسط وربّما في المستقبل القريب وصول البحرية الإيرانية.

اجتذبت الأهمية الجغرافية والإقتصادية والجيوسياسية لشرق البحر المتوسط تاريخياً قوى كبرى غير إقليمية الى المنطقة: الولايات المتحدة، الى جانب حلفاء الناتو، وروسيا التي عززت نفوذها منذ الحرب في سوريا، والآن الصين التي بدأت في غرس الجذور في أواخر عام 2013، بمجرد إطلاق مبادرة الحزام والطريق في تركيا.

فرنسا القوة المتوسطة اليوم محاصرة ومحاولات تقليص نفوذها مستمرة بغرب آسيا، بشرق المتوسط، بالمحيط الهندي، والهادي وبالساحل والغرب الإفريقي منافسيها كثيرون، بريطانيا الخصم التاريخي، تركيا الحليف القديم، روسيا والصين وأيضاً إسرائيل الدولة النووية الثانية بالمتوسط. بدءاً من عام 2015، نفذت تركيا سياسة حازمة في شرق البحر الأبيض المتوسط تعتمد على القدرات العسكرية، بدلاً من المحادثات الدبلوماسية، لفرض مطالباتها بالولاية البحرية تجاه الدول الإقليمية مثل اليونان وجنوب قبرص ومصر.ومع ذلك، يمكن أيضاً اعتبار سياسات تركيا الأخيرة في شرق البحر المتوسط دفاعية.

في يناير 2019، أنشأت جنوب قبرص (جمهورية قبرص) ومصر واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن وفلسطين منتدى غاز شرق المتوسط لإنشاء مركز للطاقة في المنطقة (13). تسبب استبعاد تركيا من المجموعة في توتر في أنقرة، مما دفع تركيا إلى إطلاق جهود أحادية للتنقيب عن الغاز والتنقيب عن الغاز بدعم من السفن الحربية، في نوفمبر 2019، حددت تركيا وليبيا حدودهما البحرية، والتي تداخلت جزئياً مع المناطق الإقتصادية الخالصة لليونان ومصر، مما أثار ردود فعل قوية من كليهما. فرنسا المعنية بمصالحها بليبيا ومصر واليونان حرّكتها قواتها البحرية لمواجهة التهديد التركي وأرسلت قوات جوية إلى اليونان.

في عام 2015، اقترح حزب الشعب الجمهوري (CHP)، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، مشروع مركز تركيا (Merkez Turkiye)، الذي يهدف الى جعل تركيا مركزاً لوجستياً وإنتاجاً يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. يمتد هذا المشروع الممر الأوسط إلى إفريقيا عبر الشرق الأوسط مع الحفاظ على توافقه مع مبادرة الحزام والطريق، كما أنه مؤشر على المصلحة المشتركة بين الحكومة التركية الرائدة وأحزاب المعارضة.

تشير ورقة عمل نشرها بنك التنمية الآسيوي في مايو 2021 إلى منطقة التجارة البينية وسياسات التكامل الإقتصادي خارج المنطقة التي تم تطويرها كجزء من الممر الأوسط يمكن أن تسهل المشاركة بين الإتحاد الأوروبي والصين. يمكن لمثل هذه المنطقة التجارية، بقيادة تركيا وبدعم من التجارة عبر الإقليمية، أن تعزز دور تركيا في دول المنطقة، والإتحاد الأوروبي، والصين.

أثارت سياسات تركيا الهجومية ردود فعل قوية من القوى الإقليمية الأخرى وفاقمت التوترات في بعض الحالات، في مايو 2020، شجب وزراء خارجية قبرص ومصر وفرنسا واليونان والإمارات العربية المتحدة أنشطة تركيا في المنطقة الإقتصادية الخالصة لجنوب قبرص، "وهي منطقة بحرية تتمتع فيها دولة ذات سيادة بحقوق خاصة فيما يتعلق باستكشاف واستخدام المياه البحرية. مصادر". في سبتمبر 2020، أكد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو دعم الولايات المتحدة لليونان، كما فعل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في نوفمبر. في الشهر التالي، فرض المجلس الأوروبي عقوبات على تركيا.

في الوقت الحالي، يبدو أن الصين تفضل اليونان لعلاقاتها التجارية مع أوروبا. يقع ميناء بيريوس بالقرب من الأسواق الأوروبية ويوفر طريقاً أقصر وأكثر فعالية من حيث التكلفة من ميناء كومبورت التركي. ومع ذلك، وكما أظهر إغلاق قناة السويس لمدة ستة أيام في مارس 2021، فإن تطوير طرق تجارية بديلة أمر ضروري. وفقاً لوزير النقل التركي عادل كارايسمايلوغلو، فإن الممر الأوسط هو أنسب طريق تجاري بديل بين الشرق والغرب. 

فرنسا الحائرة والواقعة تحت ضغوط الأنقلوسكسونية وتخاذل الكتلة الجرمانية بقيادة ألمانيا عن نصرتها وضعف الإتحاد اللاتيني عسكرياً واقتصادياً (فرنسا إيطاليا إسبانيا) تواجه حرب نفوذ بثلاثة أبعاد القوة الأنقلوسكسونية، محور الصين وروسيا ومحور تركيا وإسرائيل.

إسرائيل في شرق المتوسط

تركز الجغرافيا السياسية لشرق البحر الأبيض المتوسط على دراسة العلاقات الدولية للفضاء البحري لحوض بلاد الشام، تحد هذه المنطقة من الشمال تركيا، ومن الشرق سوريا ولبنان وإسرائيل وقطاع غزة، ومن الجنوب مصر، وتتوسطها جزيرة قبرص. تشتهر دول هذه المنطقة بنزاعاتها على الأراضي، خاصة حول اسرائيل. ولكن هناك أيضاً صراعات بحرية على الموارد مرغوبة للغاية. في الواقع، تم اكتشاف عدة مليارات من الأمتار المكعبة من الغاز مؤخراً في هذا الجزء من البحر، ويمثل الإستيلاء على هذه الهيدروكربونات مصدر توتر. النزاعات الموجودة بالفعل بين مختلف دول المنطقة وعدم ترسيم الحدود البحرية تقلل من احتمالات الإتفاقات وتزيد من التوترات.

للصهاينة جذور عميقة في الغرب، أنهم مرتبطين تاريخياً وثقافياً وفلسفياً بأوروبا. "على الرغم من أننا كنا بشر شرقيين، إلا أننا كنا أوروبيين وأردنا العودة إلى فلسطين بالمعنى الجغرافي فقط. لقد خططنا لتأسيس ثقافة أوروبية هناك"، كتب دافيد بن غوريون مؤسسة الكيان الصهيوني.

كان طموح الصهاينة بناء معقل أوروبي. كتب هرتزل في كتابه "دولة اليهود": "بالنسبة لأوروبا، سنشكل هناك حصناً ضد آسيا، وسنكون الحارس الأمامي للحضارة ضد البربرية".

من وجهة نظر اسرائيلية، كانت فرنسا بالفعل قوة متوسطية. حتى أن بن غوريون أعلن في عام 1948 أنه "أعظم قوة متوسطية" لكن لأهمية المتوسط في بناء التأثير الفرنسي والسياسة الخارجية حرصت الدولة الفرنسية على التوازن بين ضمان أمن دولة الكيان الصهيوني وبين علاقات متميزة مع الدول العربية المطلة على المتوسط. الدول العربية تُعتبر مناطق نفوذ لفرنسا خاصة بلدان شمال إفريقيا وسورية ولبنان إضافة إلى مسيحيي الشرق الكاثوليك التي تعتبرهم فرنسا حامية لهم وبالتالي تحرص على عدم الإعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني لذلك لا يثق الصهاينة بالموقف الفرنسي.

على خلفية الصراعات في الشرق الأوسط، يعتقد العديد من الخبراء أن إحدى القضايا الكبرى هي احتياطيات الغاز المكتشفة مؤخراً في شرق البحر المتوسط. سيتم تصدير هذه الموارد البحرية كأولوية إلى أوروبا، لكن المنطقة تقع في قلب الإشتباكات السياسية أو العسكرية: غزة وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا وقبرص واليونان.

ويغطي حوض بلاد الشام مساحة 83000 كيلومتر مربع، ويقدر احتياطياته من قبل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بـ 1/7 مليار برميل من النفط، وفوق كل ذلك بـ 3452 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. في حين أنه من المرجح أن تعزز هذه الإحتياطيات، على المستوى الإقليمي، إستقلال الطاقة في بعض البلدان، أو حتى تجعلها من الدول المصدرة للغاز، إسرائيل وقبرص على وجه الخصوص، إلا أنه لا ينبغي لها مع ذلك أن تزعج وضع الطاقة العالمي. سيكون لإحتياطيات الطاقة في بلاد الشام تأثير أقل على سوق الغاز العالمية من تأثير استغلال الغاز الصخري في الولايات المتحدة. تمثل هذه الإحتياطيات في شرق البحر الأبيض المتوسط حوالي 1% من إجمالي الإحتياطيات العالمية المؤكدة من الغاز الطبيعي والنفط. على سبيل المقارنة، هذا يضع هذه المنطقة في مستوى أقل بقليل من إحتياطيات الغاز العراقي. يعتبر بلاد الشام حتى الآن وراء إيران (18% من إحتياطي الغاز الطبيعي العالمي) وروسيا (6/17%) وقطر (4/13%). بالنسبة للنفط، فإن الإحتياطيات في بلاد الشام أقل بكثير من تلك المتوفرة في شمال إفريقيا، على سبيل المثال، حيث تقدر بنحو 65 مليار برميل.

لذلك يمكننا أن نقول إن موارد الطاقة في بلاد الشام أصغر من أن تغير وضع الطاقة العالمي، لكنها مهمة بما يكفي للتأثير على الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط والشرق الأدنى.

مثّلت هذه الإكتشافات المهمة للطاقة نقطة تحول في السياسة الإسرائيلية ومع التقدم الإيراني عسكرياً وأمنياً في المنطقة، سعت إسرائيل إلى ضرب مقومات الدولة السورية، تشجيع الحصار على لبنان والتنسيق مع تركيا للتمدد شرقاً وغرباً في عملية إلتفاف على إيران وروسيا من جهة وإضعاف دول جنوب أوروبا للهيمنة على الممرات المائية والتحكم في إنتاج الغاز بالمتوسط والسيطرة على أهم الموانئ عربياً وأوروبياً بالتعاون مع الصين.

حرب الموانئ

مرسين شمالاً وحيفا جنوباً

على كتفيّ اللاذقية وبيروت، يقع مرفآن كبيران بإمكانهما مع ما يضعانه من خطط تطوير وتوسّع أن يخرجا باقي مرافئ الإقليم من المنافسة. أوّلهما مرفأ مرسين الذي يتناول، بحسب خبير اللوجستيات أونور أكارجا، نسبة 17 بالمئة من مجمل حركة البضائع في تركيا، وذلك على عكس التركّز الذي يشهده مرفأ بيروت بنسبة 70 بالمئة من مجمل بضائع لبنان.

سوى أن مرفأ مرسين يعدّ مرفأ الحاويات الأكبر في تركيا، وهو يشهد نمواً مطرداً في إنتاجيته منذ العام 2017 حين تسلق الترتيب ليصل إلى المرتبة الأولى عام 2018 متجاوزاً باقي مرافئ مرمرة والبوسفور، ومحققاً رقماً قياسياً تركياً في العام 2019 بتناوله 93/1 مليون حاوية نمطية بنسبة نمو سنوي وصلت إلى 12 بالمئة. بدأ تطور مرفأ مرسين منذ تخلّي "مؤسسة السكك الحديدية الحكومية (TCDD)" في العام 2007 عن إدارته لصالح "شركة مرفأ مرسين الدولي  (Mersin International Port Inc)" التي تأسست عبر شراكة بين "بي إس إي إنترناشيونال (PSA International)" وآكفن القابضة (Akfen Holding)" بعقد خصخصة للإدارة والتشغيل لمدة 36 عاماً.  تتضاءل معطيات مرفئي اللاذقية وبيروت أمام أرقام مرفأ مرسين الذي يعرض لزبائنه أرصفة بطول 3,370 متر تعمل عليها 12 رافعة قنطرية سككية و 38 رافعة قنطرية مدولبة وغاطس يصل إلى عمق 8/15 متر واستطاعة حاويات إجمالية تصل إلى 6/2 مليون حاوية نمطية سنوياً.

على المقلب الآخر، يقع مرفأ حيفا منفذ دمشق التقليدي إلى المتوسط والعالم ما قبل الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين. يعبر المرفأ أكثر من 50 بالمئة من مجمل حجم البضائع في فلسطين المحتلة، وتتناول محطات الحاويات الثلاث فيه ما إجماليه 46/1 مليون حاوية نمطية في العام. ومع انتهاءها من الأعمال الإنشائية والتطويرية لأحدث هذه المحطات المسماة "الكرمل" بأرصفتها ذات عمق 8/15 متر وثماني رافعات قنطرية جبارة (super post – Panamax gantry cranes) وطاقة استيعابية لتخزين 25,000 حاوية في المحطة، بدأت "اسرائيل" منذ عام 2015 عمليات خصخصة وبيع حصص الشركات الحكومية المشغلة للمرافئ عبر دعوات دولية للإستثمار في هذه المرافق. وعلى الرغم من معارضة حامية أبدتها الولايات المتحدة، فازت الصين بالصفقة التي ستعود على "إسرائيل" بحوالي 500 مليون دولار أميركي بحسب توقعات بلومبرغ. كما أنه من المتوقع أن تضخّ "مجموعة مرافئ شنغهاي الدولية (Shanghai International Port Group)" التي فازت بعقد الإدارة والتشغيل بملايين الدولارات على شكل استثمارات في البنية التحتية والمعدات كي تطور أعمال مرفأ حيفا وخاصة في مجالات الترانزيت والمسافنة وتجعله واحداً من النقاط المركزيّة في "مبادرة النطاق والطريق (Belt and Road Initiative)".

الصين استثمرت ما يقارب 20 مليار دولار أميركي في "إسرائيل" في السنوات العشرة الماضية وخاصة في قطاعات البنى التحتية والتكنولوجيا والنقل.

في حين لم تبدي الصين أي إهتمام في سوريا رغم موقفها السياسي الإيجابي بمجلس الأمن، إذ أن الصين لم تبد حتى اليوم اهتماماً بالمرافئ السورية على عكس روسيا وإيران.

قد ينطبق هذا الأمر على مرفأ بيروت أيضاً حيث لا يوجد حتى الآن أي مؤشرات قوية على اهتمام صيني خاص به.

يظهر من خلال هذه المعطيات أن إسرائيل / تركيا/ دول التطبيع العربي محور يهدّد التوازن في المتوسط وشرقه بالأخص وهذا تهديد مباشر للمصالح الفرنسية على المستوى المتوسط والبعيد. يحاول الرئيس الفرنسي السيد إيمانوئل ماكرون فك العزلة عن فرنسا من خلال فتح آفاق تعاون مع الكتلة الشيعية الصاعدة في منطقة غرب آسيا عسى أن يُعيد بعض الحضور الفرنسي بسوريا والعراق وفي السنوات الأخيرة وبعد خسارة الرهان على إسرائيل وتركيا والسعودية والامارات وقطر في كسب المعركة في سوريا والعراق واليمن حيث إرتفعت مبيعات السلاح الفرنسي لهذه الدول بالأخص الواقعة على الخليج الفارسي وإنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي 5+1 مع جمهورية إيران الإسلامية الذي سبب للإتحاد الأوروبي وللشركات والبنوك الفرنسية بالأخص خسائر تقدّر بالمليارات.

تواجه فرنسا حلف أسترالي – بريطاني – أمريكي بالمحيط الهادئ والهندي وحلف تركيا وإسرائيل ودول التطبيع العربية بالمتوسط، خياراتها صعبة جداً رغم أنها قوة متوسطة نووية وعضو دائم بمجلس الأمن وتملك أكبر قوة بحرية، فهل تتجه نحو الهند واليابان أكثر بمنطقة المحيط الهادئ والهندي؟ هل ستحاول التعاون والإنفتاح على جمهورية إيران الإسلامية؟ ما هي آفاق وشروط هذا التعاون هل لديها القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية؟ تأثير اللوبي الصهيوني على السياسة الداخلية خاصة في الإنتخابات الرئاسية.

وصول القوى الناشئة، من كوريا الجنوبية الى الهند على سبيل المثال، وعودة ظهور قوى فاعلة مثل روسيا وتركيا وإيران والصين. افقد فرنسا قدرتها الجيوسياسية.

مع غياب قدرة أوروبية حقيقية في هذا المجال، نتيجة لذلك، يصعب على فرنسا بشكل متزايد العمل بمفردها، خارج إطار متعدد الأطراف، لتنمية دورها كقوة حافظة للتوازن الذي يرتبط بإرث الجنرال ديغول ويحاول الرئيس ماكرون أن يضع أيضاً أسس سياسته على ذلك المنوال.

تبرز لحظة التبلور في صيف 2019 م فرنسا نحو العزلة في أوروبا

مرحلة ثانية من سياسة السيد ماكرون الخارجية. من صيف عام 2019 الى بداية عام 2020، يحدث ما نسميه في فرنسا في الاضطرابات التي يشهدها العالم (لحظة بلورة)، والتي ترقى في الواقع الى نقطة تحول، حتى لو لم يقصدها الرئيس على الأرجح على هذا النحو، للخروج من أزمة (السترات الصفراء)، يمكن لإيمانويل ماكرون ان يبرز نفسه مرة اخرى على الساحة الدولية، أولا بمناسبة دعوة السيد بوتين الى بريجانسون، لإطلاق حوار مع روسيا غير متفق عليه مع شركائنا الرئيسيين، ثم من خلال الاستفادة الكاملة من مجموعة السبع في بياريتز على وجه الخصوص لمحاولة التوسط بين واشنطن وطهران، في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، وضع الرئيس في مقابلة شهيرة مع مجلة The. Economist تشخيصه لـ (الموت الدماغي لحلف الناتو).

يتبع...

بقلم: السيد عماد الدين الحمروني/ أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة باريس والخبير في الشأن الإيراني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2245 sec