رقم الخبر: 347123 تاريخ النشر: كانون الثاني 19, 2022 الوقت: 18:01 الاقسام: مقابلات  
هجوم واسع ومكثّف ضد تعزيز العلاقات بين إيران وروسيا الحديثة
السفير الإيراني لدى الإتحاد الروسي في تصريح لصحيفة "إيران":

هجوم واسع ومكثّف ضد تعزيز العلاقات بين إيران وروسيا الحديثة

هناك توقعات بتصدير بما لا يقل عن 5 مليارات دولار من البضائع الإيرانية إلى روسيا التي تستورد 240 مليار دولار، كما أن عوائد الترانزيت الايرانية لن تقل عن 20 مليار دولار بعد إنجاز مشروع النقل والشحن العملاق الذي يربط ايران وروسيا من خلال ممر "الشمال-الجنوب".

هذه نماذج اقتصادية ملحوظة ومبدئية وهي نتيجة لتعزيز العلاقات الايرانية-الروسية؛ لكن المشكلة تكمن في الخلفية السلبية الناجمة عن تاريخ العلاقات الثنائية خلال عهد القياصرة وبعدها خلال فترة الاتحاد السوفياتي السابق وسيطرة الشيوعيين على الحكم، مما ترك أثراً سلبياً على الرأي العام الداخلي، بالإضافة إلى الحرب النفسية التي تشنها وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية ضد هذه العلاقات الاقتصادية.

ويعتقد السفير الايراني لدى روسيا، كاظم جلالي، بأن الاقتصاد الحكومي والخاص في ايران لم يتعرف جيداً على السياسة والاقتصاد في روسيا الحديثة؛ لكن اليوم فتحت صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الثنائية والاستراتيجية في نفس الوقت.

س: ما هي نظرة ايران لروسيا بصورة عامة، وهل تغيرت هذه النظرة في الأشهر الأخيرة؟ وما هو رأيكم بزيارة رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، آية الله السيد إبراهيم رئيسي، إلى موسكو؟

ج: إن زيارة رئيس الجمهورية في الظروف الحالية مهمة للغاية، وقد تمت بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وحول نظرة الجمهورية الاسلامية الايرانية تجاه روسيا، لابد في هذا المجال أن نتعرف على نوع النظرة، فهناك بعض الأشخاص في الداخل يتطلعون إلى الغرب؛ ولكن إذا كان المقصود بالنظرة المستقلة للشعب الايراني، فللأسف هناك نظرة سلبية نابعة من العلاقات التي كانت سائدة بين البلدين خلال عهد القياصرة وبعدها الاتحاد السوفياتي السابق وسيطرة الحزب الشيوعي الذي كان يسعى إلى الهيمنة على الشعوب الأخرى، الأمر الذي ترك إنطباعاً سلبياً لدى النظرة العامة للشعب الايراني خاصة إذا رافقها أيضاً الهجوم والحرب النفسية والإعلامية التي تبثها الأدوات البريطانية والأمريكية ضد العلاقات الثنائية بين ايران وروسيا وضد روسيا بالتحديد، والهدف من ذلك بالطبع الحيلولة دون صعود القوى الجديدة التي بدأت تبرز على الساحة الدولية مثل ايران وروسيا الحديثة.

وإذا ألقينا نظرة مستقلة إلى روسيا، فان روسيا بلد قوي يقع شمال ايران، وان الجمهورية الاسلامية في ايران بغض النظر عن علاقاتها مع الدول الأخرى، ترغب في علاقات متينة مع جارتها الشمالية مبنية على المصالح الوطنية. وفي هذا المجال، لابد من الإشارة إلى أن السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية تستند على ثلاثة مبادئ: الكرامة والحكمة والمصلحة الوطنية. بالطبع أن الجمهورية الاسلامية لم تدعي يوماً أنها لم تخطئ في سياساتها الخارجية؛ ولكن يمكننا القول أنه خلال عقود ما بعد انتصار الثورة لم تعتمد سياستنا الخارجية على أي معسكر من القوى العظمى، وان قراراتنا كانت جميعها بناء على المصالح الوطنية فقط. وإذا عدنا إلى تاريخ ايران قبل الثورة الاسلامية وخاصة خلال عهد الحكم القاجاري أو البهلوي، حيث ان سياستنا كانت إيجابية وبمعنى أنه لو منحنا اميتازاً لإحدى القوى العظمى آنذاك، فان القوى العظمى الأخرى كانت تبدي إستياءها، ولذلك نمنح القوى الأخرى امتيازات أيضاً وبذلك كانت ايران في السابق تسعى دوماً إلى ايجاد توازن في العلاقات مع القوى العظمى آنذاك، وعندما حاول المرحوم مصدق أن يحيد عن هذا التوازن خلال قضية "تأميم النفط"، شاهدنا ماذا حدث له من قبل بريطانيا.

إن مثل هذه الأحداث كثيرة في الماضي ولذلك أصبح الرأي العام الداخلي ينظر بسلبية إلى العلاقات مع القوى البارزة في العالم، ويرى البعض إن إقامة أي علاقات مع أي دولة يعتبر نوعاً من منح الامتيازات لتلك الدولة؛ لكن الحقيقة غير ذلك، لأن سياستنا الخارجية هي سياسة مستقلة وهذا هو المهم في الأمر، حيث إن سماحة قائد الثورة يتابع بحكمة السياسة الخارجية للبلاد بحيث لا ينتهك استقلالها، وهذا واضح للغاية خلال التوجيهات والإرشادات التي يدلي بها سماحته لكافة المسؤولين.

إن الموضوع الثاني والمهم، هو وجوب التعرف على روسيا الحديثة أو المعاصرة، حيث هناك أربع أنواع من روسيا، ولابد لنا من الفصل بينهما: فهناك كانت روسيا القيصرية والتي أدت آنذاك إلى ضعف ايران بسبب عدم حكمة القادة في العهد القاجاري وأطماع روسيا القيصرية والتي تركت ذكريات سيئة لدى الشعب الايراني تجاه روسيا القيصرية. ثم روسيا خلال عهد الاتحاد السوفياتي والتي كانت تتعارض مع أفكارنا بصورة مبدئية؛ فخلال الرسالة التاريخية للإمام الراحل(ره) لزعيم الاتحاد السوفياتي غورباتشوف، ذكر الإمام الراحل(ره) بأن الخلافات هي اختلافات منهجية واعتقادية. ثم تأتي روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، حيث سعت روسيا آنذاك بإنتهاج سياسة متقاربة مع الغرب، والغرب بدوره سعى لاستقطاب الروس وغورباتشوف ويلتسين.

وكان الشعب الروسي والوطنيون في فترة التسعينيات لا يذكرون فترة التسعينيات من القرن الماضي بإيجابية ويعتبرونها مغايرة لكرامتهم واستقلالهم. واليوم، فان تيار روسيا الحديثة التي يقودها الرئيس بوتين هي في الحقيقة اعتراض على تلك الفترة (فترة التسعينيات)، وقد تم الحديث كثيراً عن تلك الفترة والأحداث التي وقعت وكيف تورط بعض القادة الروس في ألاعيب الغرب والتي تركت أبعاداً مختلفة على شتى القطاعات الروسية مثل الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى العسكرية.

بصورة عامة، فان نظرة ايران تجاه روسيا القيصرية كانت سلبية، وخلال فترة الاتحاد السوفياتي أيضاً كانت سلبية بسبب الخلافات المبدئية والعقائدية، كما أشار إليها الإمام الراحل(ره) في رسالته التاريخية، كما ان طبيعة الثورة الاسلامية تتعارض مبدئياً مع الأفكار الشيوعية والاشتراكية. أما خلال فترة روسيا في التسعينيات، فان التوجه الروسي كان نحو الغرب؛ لكن خلال روسيا الحديثة أو المعاصرة، فاننا نعرفها أكثر وروسيا الحديثة بدأت في العام 2001 عندما أصبح بوتين رئيساً للبلاد بالنيابة ثم أصبح رئيساً لروسيا. خلال هذه الفترة اختلفت روسيا في نهجها عن روسيا في السابق، حيث حاول الروس إحياء سياسة بلادهم وأيضاً إعادة بناء الاقتصاد الروسي، وان نسب النمو في الاقتصاد خلال السنوات الأولى من القرن الجديد تبين هذه الحقائق، وقد كتبت في العام الماضي مقالاً بهذا الخصوص.

س: بالنظر إلى هذه الحقائق، فهل تتمتع روسيا بالطاقات اللازمة لكي تصبح شريكاً استراتيجياً لإيران؟

ج: نعم، إن روسيا الحديثة تواجه الغرب في قطاعين: القطاع الأول فيما يتعلق بالعلاقات مع حلف الناتو وأوكرانيا. فروسيا الحديثة تدافع عن مصالحها الأمنية، حيث إن روسيا تشعر بالقلق تجاه الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق من أن تقع في براثن الناتو وأمريكا من خلال مؤامرة الثورات الملونة والاقتراب من حدود روسيا.

إن حلف الناتو وأمريكا يحاولان إختراق الدول التي تحيط بروسيا والواقعة في آسيا الوسطى والقوقاز وأوكرانيا وبيلاروسيا من أجل احتواء روسيا ثم تقسيمها، وفي الختام الهجوم على روسيا. إن هذه القضية لديها أهميتها الجادة في الداخل الروسي. وإذا حاولنا الحديث عن المواجهة بين الجمهورية الاسلامية وبين أمريكا والغرب، فان ايران تعتبر من أكثر الدول صموداً في هذا المجال، فقد صمدت ايران أمام الغرب طوال 43 عاماً. وحلف الناتو لم يتمكن من الدخول إلى جنوب ايران، وان عراب الناتو -أي أمريكا- لم يستطع مواجهة الصمود الايراني بالرغم من أنها لا تمتلك أسلحة متطورة أو آليات ومنشآت عسكرية قوية؛ لكن أمريكا اضطرت للتراجع في العراق وسوريا ومنطقة غرب آسيا.

والسؤال هو: لماذا يخشى الغرب من تعزيز العلاقات بين ايران وروسيا والصين؟ لأن ايران هي رائدة الكفاح ضد الغرب والأحادية في الساحة الدولية وقد دفعت ثمناً باهظاً في هذا المجال. وطوال العقود الأربعة الماضية، لم تتمكن أية دولة بإستثناء ايران من الصمود أمام الأحادية الغربية. إن صمود روسيا الحديثة مع الأحادية الأمريكية في عهد بوتين أصبحت من أولويات السياسة الخارجية لروسيا، لأن روسيا بدورها تعارض الأحادية الأمريكية والغربية.

وفي نفس السياق، فان الصين أيضاً بصفتها قطب اقتصادي قوي وقريباً ستصبح القطب الأول في العالم، وفي الوقت الذي تعتبر الصين دولة شابة من الناحية الاقتصادية؛ لكنها تمتلك طاقة كبيرة في هذا المجال. كما أن الدول التي تعتبر القوة الاقتصادية الأولى في العالم وصلت إلى قناعة بأن أساليبها ونظامها الاقتصادي أصبح بالياً. فتيار ترامب كشف عن أضرار الاقتصاد الأمريكي، حيث يعتقد ترامب بأن الاقتصاد الحقيقي قد خرج من أمريكا وذهب إلى بلدان أخرى، وأصبحت أمريكا بمثابة مركز البورصة العالمي، وإن هذه البورصة بإمكانها أن تنهار في أي لحظة.

وفي هذا الحال، فان أي دولة تملك نمواً اقتصادياً بإمكانها أن تصبح اللاعب الأول في الاقتصاد العالمي. فلو اجتمعت كل من ايران وروسيا والصين، بالأخذ بنظر الاعتبار أن الصين بسكانها واقتصادها القوي، وكذلك قدرة ايران وموقعها الاستراتيجي وروسيا بقدرتها العسكرية الكبيرة، بإمكانهم تشكيل معسكر قوي في العالم، خاصة وان هيمنة الغرب وأمريكا قد تضاءلت اليوم. كما ان دولة مثل باكستان والهند بالرغم من الخلافات الثنائية، فانهما يبحثان عن مصالحهما في داخل المنطقة. وبصورة عامة فقد بدأت قوة جديدة بالظهور في العالم.

من هنا، فان نظرة الجمهورية الاسلامية لروسيا هي نظرة إلى دولة قوية في الشمال مع طاقات اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية كبيرة بإمكانها أن تقف بجانبنا والعمل على تأسيس علاقات تعاون قوية؛ وبالطبع فاننا يمكننا التعاون مع منطقة القوقاز أيضاً من خلال المواضيع المتعلقة ببحر قزوين ومكافحة التطرف والارهاب.

إن دور الغرب في منطقة آسيا الوسطى يهدف إلى تعزيز الارهاب والتطرف، ولذلك ينبغي علينا التعاون مع هذه الدول لإحباط الدور الغربي. ان ايران وروسيا البلدان الكبيران في المنطقة ينبغي عليهما التعاون في هذا المجال، ومن أجل تحقيق الأمن الوطني لبلدنا ينبغي علينا التعاون من أجل تحقيق الأمن في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين.

س: كيف للعلاقات المتوترة لروسيا وايران مع أمريكا أن تعزز من التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية بين ايران وروسيا؟

ج: من ناحية التعاون الاقتصادي، فان الهند الواقعة شرق آسيا تصدّر عشرات ملايين الأطنان من البضائع إلى أوروبا، وتم عبر الشحن البحري عموماً. وإذا حاولنا التعاون في هذا المجال عبر ممر "الشمال-الجنوب"، فلابد لنا من تعزيز هذه الشبكة من المعابر في الداخل لأن ذلك يعزز من الأمن الوطني، حيث أصبح في عالمنا المعاصر الأمن الوطني مترادفاً مع التنمية. وكلما ارتفعت نسب التنمية، فان الأمن الوطني يتعزز أيضاً، وخاصة يجب على ايران تعزيز ممر ترانزيت "الشمال-الجنوب"، لأن ذلك يستدعي ارتباط المزيد من الدول بهذا الممر، وبالتالي تعزيز الأمن في الداخل.

إن دور النفط في الاقتصاد الايراني قد انخفض خلال السنوات الأخيرة؛ ومع زيادة منتجات البتروكيمياويات، فان تصدير النفط الخام قد انخفض، وبصورة عامة يجب تقليص الاعتماد على النفط في الاقتصاد الايراني، لأن ايران تمتلك طاقات أخرى كثيرة، منها طرق الترانزيت. وعلى سبيل المثال، خط تشابهار الحديدي إذا تم ربطها بمدينة زاهدان ثم بعدها بمدينة رشت ومن ثم إلى آستارا وبعدها إلى خليج فنلندا في أوروبا، لذلك يجب علينا تكميل هذا الخط وربط تشابهار بزاهدان، وكذلك رشت – آستارا الذي يبلغ طوله 164 كم فقط، حيث بعد تكميل هذا الخط الحديدي في النقطتين المذكورتين، فان ايران ستكون متصلة بعمق أوروبا.

كما يجب أن لا ننسى أن مدينة تشابهار هي ميناء بحري بالغرب من المحيط الهندي، وبذلك لن تكون هناك حاجة إلى الدخول في الخليج الفارسي، ويمكن تحميل البضائع مباشرة من وإلى هذا الميناء. كما ان شرق آسيا ترتبط بمدينة سان بطرسبورغ الروسية. هذا الطريق يعود بفوائد اقتصادية لإيران، حيث ان ميناء بندرعباس يتصل بمدينة رشت؛ وإذا اكتمل خط رشت إلى آستارا، فان الوصول إلى مدينة سان بطرسبورغ ستكون سهلة. كذلك يجب بناء خط حديدي بين تشابهار وزاهدان وبين زاهدان إلى بيرجند، وبذلك يصبح لدينا شبكة من الممرات الدولية، وحتى يمكن مد هذه الخطوط إلى أفغانستان وتركمانستان، وكذلك كزاخستان بسب افتقار هذه الدول للطرق البحرية.

والجدير بالذكر ان الطريق الترانزيتي المركب هو الطريق الذي يشمل على طرق بحرية وبرية وحديدية، مثل الطريق البحري إلى بندرعباس أو تشابهار ثم إلى موانئ بحر قزوين عن طريق خط سكك الحديد، ومن موانئ بحر قزوين يمكن شحن البضائع عن طريق السفن إلى موانئ شمال بحر قزوين في روسيا أو كزاخستان، ومن هناك يتم إرسال البضائع عبر البر إلى مختلف الدول الأوروبية.

هذه القضايا مطروحة خلال المباحثات الثنائية مع روسيا. ومن خلال الانضمام إلى منظمة أوراسيا، يمكننا الانضمام أيضاً إلى معاهدة التجارة الحرة.

س: هل تمتلك روسيا الطاقات الاقتصادية اللازمة للتصدير؟

ج: إن روسيا مع 150 مليون نسمة، تمتلك سوقاً كبيرة، ويتراوح حجم واردات روسيا بين 240 – 250 مليار دولار، لذلك يجب عدم تجاهل هذه السوق العظيمة في الشمال. فاذا كانت حصتنا من الواردات لروسيا 1%، سنكون نحن الرابحين شريطة أن نخطط جيداً للتجارة مع روسيا. نصدر اليوم نحو 5ر2 مليار دولار إلى روسيا، ويجب علينا الدراسة والاطلاع جيداً على السوق الروسية وتأمين حاجات هذا السوق بأنواع أخرى من المنتجات.

قد يستاء البعض من العلاقات مع روسيا والصين؛ لكن لابد من القول بأننا نعتقد بأن العلاقات مع دول العالم يجب أن تكون متوازنة وأن يكون هناك توازن في العلاقات مع الدول الأخرى. البعض يقول أن ايران تتجه لإقامة العلاقات مع روسيا أو الصين؛ لكن هذا الظن خطأ. إن التقارب الحاصل بين الصين وايران وروسيا ناجم من المواجهة مع الغرب وهذا الأمر لا يعني أننا لا نرغب بالتعاون مع الدول الأخرى. فكما أن روسيا والصين اللتين لهما علاقات مع الدول الأخرى، فان ايران أيضاً بإمكانها ذلك؛ ولكن في هذه الأحوال، فان الأولويات هي التي تتغير والعلاقات الثنائية تعتمد على ذلك.

وإن مهمة السياسة الخارجية هو تحديد هذه الأولويات والتعرف على الطاقات المختلفة الموجودة في العالم لتأمين المصالح الوطنية. واليوم، حيث إن بلدنا يتعرض للحصار الاقتصادي فلابد من توجيه أولوياتنا نحو دول الجوار؛ لكن البعض الآخر يحاول أن يفسر هذا الأمر بطريقة أخرى ويدعي بأن العلاقات مع دولة بعينها هي من أجل مواجهة دولة أخرى، وهذا التفسير خاطئ. لذلك لابد من التركيز على العلاقات الاقتصادية مع روسيا، البلد الذي يتمتع بطاقات اقتصادية كبيرة والذي يمكن تأمين الكثير من متطلباتنا الأساسية.

س: ما هي المنتجات والبضائع التي يمكن استيرادها من روسيا؟

ج: إن روسيا أكبر منتج للحبوب، حيث تنتج سنوياً نحو 120 – 130 مليون طن، يتم استهلاك 80 مليون طن داخلياً وتصدر نحو 50 مليون طن. ونحن بدل أن نستورد الحبوب من أماكن بعيدة مثل أمريكا الجنوبية بإمكاننا توفيرها من روسيا، لأنه في هذه الحالة سيكون بإمكاننا نحن أيضاً أن نصدر البضائع إلى روسيا وسيكون التبادل التجاري في صالح البلدين، لذلك فباعتقادي أن روسيا تملك طاقات كبيرة للتعاون الاقتصادي مع ايران. وقد حاولنا في السنوات الأخيرة استيراد الحبوب والبذور الزيتية والزيوت من روسيا، وكان الهدف من ذلك تعزيز العلاقات مع روسيا. ولدى روسيا في السنوات الأخيرة بعض المشاكل مع دول جوارها. ولدى روسيا الكثير من الاستثمارات في الدول الأخرى وحتى أثناء جائحة كورونا، فان روسيا لم تقطع ارتباطها مع هذه الدول التي لديها استثمارات فيها؛ ولكنها قطعت ارتباطها مع ايران بسبب الجائحة وذلك بسبب عدم وجود استثمارات روسية في ايران. فاذا لم تقم ايران بتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الدول الأخرى، فان العلاقات السياسية أيضاً سوف تتدهور بسرعة وحتى من الممكن أن تصل إلى القطيعة.

إن علاقاتنا السياسية مع الدول الأخرى لن تستمر إذا لم يرافقها تعزيز في العلاقات الاقتصادية والثقافية، لذلك ينبغي علينا التفكير بصورة جادة بعملية الصادرات والواردات مع روسيا، وذلك لسببين: الأول لأن اقتصاد البلدين مرتبطان مع بعضهما البعض، والثاني ان عملية الصادرات والواردات هي عملية ذات اتجاهين، فالبلد الذي يقوم بالتصدير سيرغب في تحميل قطاراته وشاحناته بالبضائع المختلفة بدل من عودتها فارغة. ويجب في هذا المجال التأكيد بضرورة الاستيراد من روسيا لأن لذلك انعكاس ايجابي لإغراء روسيا بالاستيراد من ايران، كما حدث في العام الماضي حيث تم استيراد غالبية الحبوب من روسيا؛ ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2021 قمنا بتصدير نحو 711 مليون دولار إلى روسيا واستوردنا ما يعادل 3ر2 مليار دولار غالبيتها من الحبوب ومنتجاتها.

س: ما هي البضائع والمنتجات التي يمكن لإيران تصديرها إلى روسيا؟

ج: هناك الكثير من المحاصيل والمنتجات الايرانية يمكن تصديرها إلى روسيا مثل الألبان، حيث تستورد روسيا نحو ما يعادل 5 مليارات دولار من الألبان، كذلك في مجال الأسماك والروبيان والخضروات والحمضيات والمكسرات مثل الفستق وأنواع التمور.

إن ايران تؤمن لروسيا نحو 70% من أنواع التمور؛ بالإضافة إلى التمور، بإمكان ايران تصدير أنواع الزبيب والتين، وكذلك السجاد والجلود والأحذية وغيرها، وحتى في أنواع السيراميك والأحجار والموزائيك. هناك جوانب اقتصادية مختلفة يمكن التعاون فيها مع روسيا؛ لكن المشكلة تكمن في أن الرأي العام الايراني لديه أفكار سلبية تجاه روسيا تعود إلى فترة روسيا القيصرية والاتحاد السوفياتي، ولذلك فان ايران حالياً ليس لديها معرفة مناسبة عن روسيا الحديثة وسياساتها واقتصادها، ولا يوجد لدينا نشطاء اقتصاديين أقوياء للدخول في السوق الروسية وبناء معرفة أكثر بهذا البلد.

هناك عدد من التجار الذين يتعاملون مع روسيا؛ لكن عددهم محدود، لذلك يجب علينا بالدرجة الأولى تعزيز معرفتنا بالاقتصاد الروسي. كما ان علاقاتنا الثقافية مع روسيا ضعيفة للغاية، ولذلك فان الشعب الايراني لا يعرف روسيا جيداً والعكس صحيح أيضاً، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى فترة الاتحاد السوفياتي عندما كانت العلاقات أو الزيارات بين الشعوب معدومة تقريباً بسبب النظام الشيوعي الذي كان سائداً آنذاك. وللأسف فاننا ننظر إلى روسيا من المنظار الغربي، الأمر الذي أثّر على نظرتنا تجاه روسيا الحديثة. حتى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الايرانية التي تبث قنوات بمختلف اللغات الحية، لا توجد فيه قناة تتحدث باللغة الروسية لكي يتم تعريف ايران لروسيا.

س: ألا تعتبر العمليات المصرفية وانتقال العملة بين البلدين إحدى العوائق أمام التجارة؟ وكيف يمكن إزالة هذا العائق؟

ج: لحسن الحظ، لا يوجد هناك عائق في هذا المجال، حيث ان التبادل التجاري بين البلدين يتم بواسطة العملات المحلية وتتم العمليات المصرفية بواسطة البنوك المحلية ولا توجد هناك أي حاجة للجوء إلى نظام "سويفت".

س: ما هو حجم طاقة التصدير الايرانية إلى روسيا؟ وما هي العوائق؟

ج: إن طاقاتنا التصديرية مرتفعة للغاية، حيث توجد لدينا محاصيل البستنة والمنتجات الزراعية والحمضيات والخضروات والأسماك والروبيان والمكسرات. وتتم بصورة دورية تبادل للزيارات واجتماعات ثنائية بين السفراء ووفود وزارة الخارجية، حيث يتم طرح مواضيع جيدة ويتم متابعتها والسعي لحلها وإزالة العوائق الموجودة. إن وزير الاقتصاد قال مرة بأن هناك نحو 25 منظمة ومؤسسة ايرانية تُعنى بشؤون الصادرات. هذا العدد الهائل يخلق مشاكل كثيرة للتاجر أو المصدّر الايراني الذي يرغب في تصدير بضاعته للخارج. يجب أن يكون هناك مركز أو منظمة واحدة فقط تُعنى بشؤون الصادرات، وهذا الأمر يتطلب إرادة قوية وإدارة خبيرة بهذه الأمور؛ لكن بالنسبة للاستيراد، فان العملية كانت أسهل بكثير، حيث كنا نبيع النفط مقابل استيراد المتطلبات والسلع المختلفة؛ ولكن مثل هذه التسهيلات لم نضعها أمام المصدرين للبضائع الايرانية، فعندما نضع أمام المصدرين العديد من العوائق والمثبطات وخاصة في مجال تحويل العملة الأجنبية، فان هذا المصدر لن يرغب في التصدير وسيعمل على تبديل العملات الأجنبية في السوق السوداء.

وبالرغم من كافة هذه المشاكل، فان صادراتنا إلى روسيا سجلت أرقاماً مناسبة في العام 2021 وغالبية الصادرات الايرانية شملت أنواع المكسرات والتمور والفستق؛ لكن المؤسف في الأمر أن غالبية السلع الايرانية التي تصدّر إلى روسيا تكون عبر كازاخستان وتذهب إلى روسيا باسم بضاعة كازاخية، والسبب في الأمر يعود إلى أن التجار الايرانيين ليست لديهم ارتباطات أو معرفة بالقطاع التجاري الروسي، ولذلك فان غالبية السلع التصديرية إلى روسيا تتم عبر جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولذلك لابد من تعزيز الارتباط مع التجار والمؤسسات التجارية الروسية بصورة مباشرة؛ وبالطبع، فان مثل هذه الأمور يتم طرحها مع المسؤولين الروس حتى يتسنى التوصل إلى حل لذلك.

وهناك موضوع آخر وهو أن ايران ضعيفة في مجال الجمارك. وبمعنى آخر، يجب تسهيل عمل الجمارك وسرعة تخليص البضائع ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تحديث آلية الجمارك وتزويدها بوسائل إلكترونية وذكية وتحديثها باستمرار.

إن ايران ليست لديها حدود برية مع روسيا، ولذلك فان التصدير عن طريق البر يتم عبر دول ثالثة وسيطة لدخول البضائع الايرانية إلى روسيا، وقد أشرنا لذلك ما يتم عبر تصدير هذه البضائع عن طريق كازاخستان؛ لكن هناك حدود بحرية مع روسيا في بحر قزوين. ومن المؤسف انه لا توجد لدينا سفينة واحدة لشحن البضائع عن طريق هذا البحر إلى روسيا. كما ان الموانئ الايرانية غير مجهزة وليست على كفاءة مناسبة، كما يجب ربط هذه الموانئ بخطوط سكك حديد في داخل البلاد من أجل شحن البضائع عبر القطارات ثم الموانئ ومنها إلى روسيا، وبالتالي فانه لا يمكن تعزيز صادراتنا إلى روسيا بدون تحقيق هذه الأمور مجتعمة. كما لا توجد هناك شركات قوية في ايران تعمل في قطاع ترانزيت البضائع.

علينا ايجاد خطوط ملاحية قوية تربط الموانئ الايرانية بالموانئ الروسية في بحر قزوين. كما يجب علينا بناء محطات لسكك الحديد تربط موانئ أميرآباد وكاسبين وأنزلي ببعضها البعض، ويجب أن تكون هناك إمكانية لدخول قطارات الشحن داخل السفن الكبيرة، الأمر الذي يتطلب آليات ومنشآت حديثة ومتطورة لنقل البضائع من الموانئ الايرانية إلى الموانئ الروسية، وبالتالي دخول قطارات الشحن الموجودة في السفن إلى سكك الحديد الروسية.

وبالنسبة للخطوط البرية، فعلينا تعزيز العلاقات مع الدول الوسيطة وأن نتوصل معها إلى اتفاقيات في مجال الشحن والترانزيت. كما ينبغي علينا الاستفادة من الممر الأخضر البري الموجود في روسيا لنقل البضائع الايرانية، بالإضافة إلى كل ذلك ينبغي علينا تسهيل عمل الجمارك من الإجراءات الروتينية.

س: هل أن نظرة روسيا تجاه ايران إيجابية؟ وما هو رأيهم في التعامل مع ايران؟ وما هي نظرتهم تجاه الحكومة الثالثة عشرة؟

ج: إن نظرة روسيا الحديثة تجاه الجمهورية الاسلامية هي نظرة إيجابية؛ لكن الجميع في مجال السياسة الخارجية تبحث عن مصالحها؛ وبالطبع فانه لا ايران ولا روسيا ليستا إستثناء عن ذلك. وأصبحت توجهاتنا اليوم متقاربة، كما ان النظرة تجاه الحكومة الثالثة عشرة هي إيجابية أيضاً، وهذه النظرة الإيجابية هي التي أتاحت لانضمام ايران إلى معاهدة شنغهاي. كما ان دعوة الرئيس بوتين للرئيس رئيسي تعود إلى اهتمام روسيا بتعزيز العلاقات الثنائية وخاصة في المجال الاقتصادي.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 1/6485 sec