رقم الخبر: 347180 تاريخ النشر: كانون الثاني 21, 2022 الوقت: 14:12 الاقسام: مقالات و آراء  
فرنسا الحائرة وإيران الصاعدة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادئ (القسم الأخير)

فرنسا الحائرة وإيران الصاعدة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهادئ (القسم الأخير)

تلقي قضية الغواصة الاسترالية بظلالها على سجل إيمانويل ماكرون في المحيطين الهندي والهادئ، إنه يعيدنا الى موضوعنا المركزي، وهو موضوع العزلة الاستراتيجية لفرنسا، دعونا نضيف. من بين العوامل التي تساهم في هذا الأخير، الانفصال البريطاني: لإعطاء وجود مادي لـ (بريطانيا العالمية)، لن تتردد المملكة المتحدة في التصرف كمنافس شرس في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ولكن ربما أيضاً في الشرق الأدنى، الشرق وإفريقيا.

ان تناقض التحالفات في منطقة شرق المتوسط ترفع نسبة التوتر بين قوى إقليمية مثل مصر، تركيا، اليونان وإسرائيل وبين قوى دولية مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وأيضا ايران صاحبة أكبر إحتياط للغاز.

العلاقات التركية / الإسرائيلية

العلاقات التركية / الإسرائيلية إستراتيجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فقد كانت الجمهورية التركية أول الدول الإسلامية المعترفة بالكيان الصهيوني في مارس سنة 1949. فتح المجال للتعاون العسكري والاستراتيجي والدبلوماسي. في 1986 عينت الحكومة التركية سفيراً كقائم بالأعمال في تل أبيب. وفي 1991، تبادلت الحكومتان السفراء، وفي فبراير وأغسطس 1996، وقعت حكومتا تركيا وإسرائيل اتفاقيات تعاون عسكري، تأسست مجموعة أبحاث إستراتيجية ومناورات مهمة خاصة مناورات وتدريبات بحرية بدت سنة 1998 وايضا تطوير سلاح الجو، كما يوجد مستشارون عسكريون إسرائيليون في القوات المسلحة التركية. وتشتري جمهورية تركيا من إسرائيل العديد من الأسلحة وكذلك تقوم دولة إسرائيل بتحديث الجيش التركي من دبابات وطائرات حربية، زار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إسرائيل في عام 2005 وفي أوائل عام 2006، وصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية علاقات بلادها مع تركيا بأنها (مثالية) وفي زيارة استمرت ثلاثة أيام لأنقرة في نوفمبر 2007، التقى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بالرئيس التركي عبدالله جول، وألقى كلمة أمام الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، تعرضت العلاقات بين البلدين لبعض التدهور لكن لم يكن مؤثراُ على علاقاتهم الإستراتيجية، منذ حكم أردوغان تطورت هذه العلاقة رغم توتر ظاهري في بعض الأوقات في حرب غزة، من المؤكد أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية بين البلدين لازالت قوية الى هذه الساعة بل ومن الممكن وصفها بالـ (تحالف) كما صرح وزير الدفاع التركي سنة 2013.

قبل كل شيء، كانت القضايا الأمنية هي التي أدت الى التعاون بين أنقرة والقدس، مما اضفى عليه طابعاً استراتيجياً، من التعاون انبثقت بنية تحتية: تدريبات مشتركة، زيارات متبادلة، تنسيق بين الموظفين وتبادل المعلومات من قبل الخدمات، وبالتالي قدرة أكبر على العمل معاً. رفع مستوى الردع، وكانت قراءة عسكرية للعلاقات السائدة في المنطقة بين إسرائيل وتركيا. بالنسبة لكلا البلدين، كا هو الحال في الشرق الاوسط بشكل عام، تبرز القدرة العسكرية كعامل حاسم للقوة الوطنية والنفوذ الإقليمي. حيث يتم تقييم العلاقات الدولية في المقام الأول من حيث القوة وحيث تكون التحالفات غير الرسمية مهمة على الأقل بقدر أهمية الائتلافات الرسمية، لا يمكن الحكم على التفاعلات بين إسرائيل وتركيا على أنها بريئة، لا سيما في ابعادها العسكرية، احتمال توازن جديد من شأنه أن يقرب بين الدولتين.

الم يذكر وزير الدفاع التركي في مايو 1997 أن برامج اسلحة الدمار الشامل لجيرانه الإيرانيين والسوريين والعراقيين تشكل تهديداً للمنطقة (14).

ناهيك عن تقييم أكثر واقعية لإشكالية الردع الواسع لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. علاوة على ذلك، لا تمتلك تركيا الصواريخ طويلة المدى اللازمة، وإسرائيل هي التي يمكن أن تساعدها في الحصول على هذه القدرة من خلال نظام الدفاع الباليستي الوحيد الذي يعمل بنظام الدفاع الباليستي (منذ عام 2000)، وهو ِArrow.

یفضل الإسرائيليون وجود أنقرة أكبر في آسيا الوسطى والقوقاز على وجود طهران أو موسكو. هذا هو السبب في أن القدس شجعت تدفق الطاقة من بحر قزوين الى تركيا- باكو – جيهان في البحر الابيض المتوسط – بدلاً من روسيا وإيران. مشروع طاقة عزز تركيا سياسياً واقتصادياً، منع روسيا من إعادة تأكيد هيمنتها على حوض بحر قزوين، مما أدى الى موازنة النفوذ الايراني وتقليل أهمية الخليج الفارسي كمصدر للطاقة، خاصة وأن إسرائيل تتطلع الى علاقات طيبة مع الدول الجديدة التي يسكنها مسلمون ويحكمها قوميون علمانيون. من ناحية أخرى، لا تتاثر علاقتهم بإسرائيل بالصراع العربي الإسرائيلي لأنها تسهل الوصول الى التكنولوجيا والغرب، وخاصة في واشنطن.

مع ترسيخ إسرائيل بشكل أفضل في العاصمة الامريكية، كانت تركيا تأمل في أن تكون قادرة على حشد نفوذها لتعزيز مصالحها وموازنة ثقل جماعات الضغط اليونانية والأرمنية.

يشتكي كلا البلدين من سلوك أوروبا الغربية تجاههما، عانت تركيا من حظر الأسلحة من الدول التي تتعاطف مع القضية الكردية، انتظر الاتحاد الأوروبي حتى ديسمبر 1999 للموافقة على أن تكون تركيا قادرة على التقدم، لكن من المتوقع أن تستمر المفاوضات لسنوات. كما كان الإسرائيليون موضوع حظر توريد الأسلحة. ويعتقدون أن الأوروبيين يميلون الى الجانب العربي وخاصة الجانب الفلسطيني.

أخيراً، لا تتبع أوروبا نفس نهج استخدام القوة مثل تركيا وإسرائيل

خاصة وان الأتراك، مثل الإسرائيليين، يحللون تحفظات الأوروبيين تجاههم على أنها متجذرة جزئياً في ثقافتهم ومرتبطة بالاختلاف في الدين.

أدى الاختلاف بين المفهوم التقليدي للأمن القومي في تركيا وإسرائيل من جهة، والثقافة الاستراتيجية الجديدة في أوروبا الغربية من جهة اخرى، الى توسيع الفجوة بين وجهات النظر المتبادلة حول الشرق الأوسط.

يخشى الأتراك والإسرائيليون بشكل عام من وجود روسيا أكثر نشاطاً في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط. أقامت موسكو علاقات هناك مع سوريا وإيران والعراق، وهم حلفاء محتملون لمواجهة النفوذ الأمريكي، ما لا تذوقه إسرائيل ولا تركيا.

العلاقات الفرنسية – الايرانية

بين الثورة الفرنسية والحرب العالمية الأولى، أقيمت اتصالات عديدة بين البلدين، مع إقامة نفوذ ثقافي فرنسي متنام في بلاد فارس، تتشوه هذه العلاقات بشكل دوري بسبب مناورات الإمبراطوريات الغربية العظيمة (الروسية والبريطانية بشكل أساسي) بهدف التأثير على مصير إيران، التي تقع في موقع استراتيجي على الطرق بين الشرق الأوسط والهند.

مرّت العلاقات الفرنسية – الايرانية المعاصرة بفترات توتّر قصوى خاصة إبان الحرب العراقية – الايرانية حيث وقفت فرنسا الى جانب حليفها صدام وزودته بكل أنواع الاسلحة الفتاكة تم تسليم طائرات ميراج F1 ، التي تم طلبها في عام 1977، الى العراق. في أكتوبر 1983، أقرضت فرنسا خمسة طائرات من طراز سيبارإيتندار تحمل صواريخ أكزوسات ووضعت في خدمته خياراتها القتالية والإستخباراتية وشاركت معه في حرب المدن. ايضا الخلاف الايراني – الفرنسي حول حقوق إيران في شركة أوروديف لتخصيب الأورانيوم.

فقد دخلت إيران كمساهمة في شركة أوروديف. في عام 1974، وصلت الحصة السويدية البالغة 10% في بوروديف الى ايران بعد اتفاقية فرنسية إيرانية بتاريخ 27 يونيو، نصت هذه الاتفاقية على بيع فرنسا لخمس محطات طاقة ذرية أمريكية (رخصة فراماتوم)، وتوريد اليوارنيوم المخصب لإيران، وإنشاء تكنيكاتوم لمركز نووي يضم ثلاثة مفاعلات بحثية، والتشغيل المشترك لمحطات الطاقة النووية. رواسب اليورانيوم التي يمكن اكتشافها في إيران ورواسب في دول ثالثة، وتدريب العلماء الإيرانيين، وكذلك وصول ايران الى صناعة تخصيب اليورانيوم، ثم أسست الهيئة الفرنسية للطاقة الذرية (LC) والمؤسسة الإيرانية للطاقة الذرية صوفيديف (الجمعية الفرنسية الإيرانية لتخصيب اليورانيوم بالانتشار الغازي)، بحصتها 60% و40% على التوالي ...% من الأسهم، في المقابل، استحوذت شركة صوفيديف على حصة 25% في بوروديف، مما منح إيران اقلية معطلة في بوروديف. تم تقسيم النسبة المتبقية البالغة 75% من بوروديف بين C بإ (8ر27% من الأسهم) وثلاثة مساهمين أقلية (إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا).

كمساهم، كان لإيران الحق في إزالة 10% من اليوارنيوم المخصب بواسطة أوروديف.

اقرض رضا شاه بهلوي، مليار دولار أمريكي عقب اتفاقية تم توقيعها في ديسمبر 1974، خلال الرحلة الرسمية لرئيس الوزراء جاك شيراك الى طهران، ونص على دخول إيران في أوروديف ثم أخرى 180 مليون دولار في 1977 لبناء مصنع أورودف، من أجل الحصول على 10% من إنتاج اليورانيوم المخصب في الموقع.

تم التوقيع على عقود بيع محطات الطاقة والمعدات في طهران في 18 نوفمبر 1974 من قبل ميشيل دورنانو، وزير الصناعة والبحوث.

بعد إنتصار الثورة الإسلامية المباركة وقيام الحكومة الإسلامية بإيران في عام 1981، بعد تشغيل مصنع بوروديفِ، طالبت إيران بنسبة 10% من إنتاج اليورانيوم المخصب الذي كان يحق لها تعاقدياً، وهو ما رفضته فرنسا. وبعد صراع مرير وإتهامات متبادلة بين البلدين وأزمة السفارات، وقع الرئيس جاك شيراك اتفاقية مع إيران تنص على السداد الكامل للمبالغ التي تطلبها إيران، ولكن ايضاً إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتنازل عن 10% من اليورانيوم الذي تنتجه شركة أوروديف لإيران، لعب الرئيس جاك شيراك فترة حكمه من سنة 1995 الى سنة 2007 على ايجاد توازن بين العلاقات الفرنسية – الايرانية من جهة والعلاقات الفرنسية – الاسرائيلية العربية من جهة اخرى وكآخر رئيس فرنسي يحمل فكر وتوجهات ديغولية حاول الإستقلالية عن الموقف الامريكي المتشدد حيال ايران.

حرصت فرنسا على اعتبار المسألة النووية الايرانية أولوية لها في سياستها الخارجية وكلّفت لجنة خاصة بالخارجية لمتابعة هذا الموضوع المهم الذي سيشغل الديبلوماسية الدولية وما زال على مدى اكثر من عشر سنوات. لعبت فرنسا دوراً مهما في ايجاد مناخ مفاوضات مع الجانب الايراني وكان مدخلاً مهماً لإعادة الدفئ للعلاقات الفرنسية – الايرانية وتنمية التبادل التجاري خصوصا في مجال الطاقة ومجال صناعة السيارات.

مع بدء رئاسة نيكولا ساركوزي، ازدادت التوترات مع ايران، واقترب الموقف الفرنسي من الموقف الأمريكي لصالح العقوبات ضد النظام الايراني، بالنسبة للسفير الفرنسي السابق في ايران فرانسو نيكولود ، اتجهت فرنسا حتى نحو موقف أشد قسوة من موقف الولايات المتحدة. وبحسب إيف ميشيل ريولز: في مواجهة الجمود في المحادثات واكتشاف موقع فوردو العسكري تحت الأرض، بادرت فرنسا بتوسيع العقوبات، في عام 2011، لضرب الآلة الاقتصادية الإيرانية وجهاً لوجه: فرض حظر على تصدير النفط وتجميد أصول البنك المركزي في الخارج.

إعادة اطلاق الشراكة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية من قبل الرئيس فرانسوا هولاند يضيف دافعاً إضافياً: فالأخيرة تزعم خشيتها من (التوسع الايراني الشيعي في العالم العربي، سواء في الداخل، في البحرين، في العراق، في لبنان وبالطبع في سوريا، حيث تم تعريف سقوط بشار الأسد حليف ايران، على انه أولوية من قبل النظام الملكي الوهابي في سباق الحرب السورية.

في عام 2013، أدى انتخاب حسن روحاني لرئاسة الجمهورية، الذي كان حريصاً في خطاباته على اعادة الحوار مع الغرب، الى دفئ العلاقات الفرنسية الإيرانية، في يوليو، تمت دعوة فرانسوا هولاند للحضور الى منصبه أمام البرلمان الايراني في اوائل أغسطس في طهران، عندما كان أحد آخر رؤساء الدول الذين هنأوه، لكن في موقف مشترك، قرر الاتحاد الأوروبي عدم إرسال ممثلين لحضور حفل التنصيب. في الوقت نفسه، عرض رئيسا الوزراء السابقين ميشال روكار ودومينيك دوفيلبان، اللذين تفاوضا حول القضية النووية مع حسن روحاني في عام 2003، خدماتهما للذهاب الى طهران لتهنئة الأخير، مثل الرئيس السابق للدبلوماسية البريطانية جاك سترو. لقد فعلت من جانبه. لكن وزير الخارجية لوران فابيوس عارض هذه المبادرات، قبل لقاء السفير الإيراني في باريس والتحدث مع نظيره جواد ظريف، في 24 سبتمبر 2013، التقى فرانسوا هولاند وحسن روحاني لفترة وجيزة في مقر الأمم المتحدة خلال الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة. الرئيس الفرنسي، الزعيم الغربي الوحيد الذي قابل الرئيس الإيراني بهذه المناسبة.

في كانون الثاني/ يناير 2016 قام حسن روحاني بزيارة الى فرنسا استغرقت يومين، لم تحدث لرئيس إيراني منذ 1998. الهدف هو تجديد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، في هذه المناسبة، أعلنت شركة بيجو وشركة إيران خودرو عن إنشاء مشروع مشترك لتطوير وإنتاج سيارات ماركة P يوعيوت في ايران اعتبارا من عام 2017، شركة بيجو هي أول شركة تصنيع دولية تعلن عن اتفاقية صناعية بهذا الحجم.

مع القرار الأحادي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي (8 مايو 2018) وفرض عقوبات على ايران وجميع الشركات الأوروبية والفرنسية العاملة مع إيران (مبدأ قوانين الولايات المتحدة خارج الحدود الإقليمية)، تطور بشكل كبير تم إيقاف الشركات الفرنسية في ايران وكذلك العقود الرئيسية التي تم توقيعها بين البلدين (توتال، بي إس أي، رينو، إيرباص، إيه تي آر، إلخ). ثم قرر إيمانويل ماكرون، وكذلك جميع الدول الأوروبية، البقاء في الاتفاقية النووية ومحاولة جعلها حية بكل الوسائل ومواجهة القرارات الأمريكية (تحديث وتطبيق قوانين الحصار على المستوى الأوروبي لمنع تطبيق قوانين الولايات المتحدة خارج الحدود الإقليمية)، وذلك على الرغم من الخلافات السياسية الكبيرة مع ايران في مجالات اخرى (القدرات الباليستية الإيرانية، السياسة الإقليمية الإيرانية، الصراع في سوريا واليمن..) مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يحاول الرئيس الفرنسي العمل على خفض التصعيد بين البلدين، ومع ذلك، يشك كليمان ثيرم، الباحث في مؤسسة سي ي ري، في إمكانية ان يكون إيمانويل ماكرون وسيطاً بحجة ان فرنسا، الحليف العسكري للمملكة العربية السعودية، ليست عاملاً محايداً، بالاضافة الى ذلك، يلاحظ ان التعيينات في الخارجية ووزارة الدفاع الفرنسية، والمسؤولين الذين تمت ترقيتهم في الأشهر الأخيرة (لديهم مواقف معادية لإيران).

في اوائل عام 2020،بعد اغتيال الجنرال الشهيد قاسم سليماني رضوان الله تعالى عليه، ممثل دولة ذات سيادة دعيت من قبل السلطات العراقية في بغداد، بضربة أمريكية، ظلت الدبلوماسية الفرنسية متماشية مع دبلوماسية الحكومة الأمريكية، وأكد إيمانويل ماكرون لدونالد ترامب أن التضامن الكامل مع الحلفاء، ومما زاد من حدة التصعيد بين باريس وطهران تغريدة من الرئيس الفرنسي باستخدام مصطلح (الخليج العربي الفارسي) بدلا من الاسم التاريخي (الخليج الفارسي)، مما أثار ردود فعل غاضبة في إيران. آية الله السيد علي الخامنئي، في الشهر نفسه، دعا فرنسا والمانيا والمملكة المتحدة (اذيال امريكا).

مستقبل العلاقات الايرانية – الفرنسية في ظل التحولات الإقليمية والدولية

في السنوات الأخيرة، فرض صعود ايران نفسه كما هو واضح للعديد من المراقبين والخبراء الدوليين، فإيران اليوم هي (اهم لاعب استراتيجي في غرب آسيا على حساب الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، من ميزات الحكومة الإسلامية الإيرانية أنها تاسست بعد ثورة إسلامية شعبية قادها علماء الدين والشباب على راسها الإمام روح الله الموسوي الخميني قدس سره وورثت دولة لها بنية تاريخية متجذرة وتبنت نظاماً سياسياً نموذجيا ساهم في قوتها وتماسكها وإنتصارها في كل مراحله على مدى أربعة عقود وهو (نظام ولاية الفقيه)، إعادت احياء المشروع السياسي القائم على نهج الإسلام المحمدي الأصيل في المنطقة والعالم الإسلامي، صمود الشعب الإيراني وتماسك مؤسسات الحكم، وحدة الموقف الوطني في المسائل الكبرى وأهمها الحرب العراقية – الايرانية والمسألة النووية التي مثلت عنوان لإستقلال وسيادة ايران، اعطى إيران الكثير من اسباب القوة لتكون حالة مستقرة في منطقة تزداد فيها الفوضى عام بعد عام. الشعب الإيراني هو الشعب الوحيد في المنطقة الذي حقق ثورتين مهمتين خلال القرن العشرين 1906/1911 و1979) اما خصوم ايران الأقليميين وهم تركيا، المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني فهم يملكون منسوب مهم القوة من العسكرية والإقتصادية والمالية وعلاقات دولية كبيرة خصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي وروسيا مع وعود استثمارات صينية مهمة بهذه الدول. تمكنت الجمهورية الإسلامية من بناء منظومة دفاع داخلية متينة ومتطورة تعتمد على قوى نظامية وأخرى شعبية وأستطاعت محاصرة أعدائها بايجاد ودعم حركات مقاومة فاعلة بغرب آسيا ومنطقة المتوسط تملك اليوم القوة والقدرة والعزم ما مكنها من التصدي والإنتصار ضد الإحتلال الأمريكي في العراق وإفغانستان وضد الوجود الإسرائيلي بلبنان وغزة وبالأخص تحقيق الإنتصار الكبير والسريع ضد الحركات التكفيرية والجماعات الإرهابية الوهابية بالعراق وسوريا ومنع تقسيم الدولتين وهو إنجاز تاريخي بعد نجاح حرب 2006 بلبنان.

إيران القوية سياسيا وبنيويا ومعرفيا وعلميا لها نقاط ضعف يجب تتداركها وأهمها نظرتها الإستراتيجية والإستفادة القصوى من قوتها الناعمة والصلبة في المنطقة وخارجها من خلال تحويل إنتصارات محور المقاومة العسكرية الى انجاز سياسي قوي وثابت وإحتواء منافسين مثل السعودية وتركيا، وبناء اقتصاد أكثر فاعلية داخليا وإقليميا ودوليا وهذا يتطلب الوصول الى اتفاق مع القوى الكبرى بما يناسب قوة إيران المستقبلية من خلال الإتفاق النووي وتنشيط الديبلوماسية الإقتصادية مع الاتحاد الاوروبي وإفريقيا والهند واليابان والديبلوماسية الثقافية مع الدول الإسلامية خاصة مع مسلمي أوروبا وبالأخص فرنسا.

بعد إنهزام الوهابية وتراجعها منذ احداث سبتمبر 2001 حاول الأمريكي والإسرائيلي دفع تركيا أوردغان للإستفادة من هذا الفراغ والتقدم لخلافة السعودية في مجال استقطاب مسلمي إفريقيا خاصة بشمالها ومسلمي أوروبا خاصة بفرنسا، لم تهم ايران للأسف بشكل جدي لهذا الامر خاصة وأن اول مناصري الثورة الاسلامية كانوا مسلمي فرنسا وشمال وغرب افريقيا ببركة وجود الإمام الخميني قدس سره بفرنسا بمنطقة نوفل لوشاتو وإشعاعه من هناك على العالم، الأحياء الاسلامي ونمو قوة المسلمين بفرنسا وأوروبا مصدره الثورة الإسلامية وكان عاملا مؤثراً على الصراعات السياسية الداخلية بفرنسا ونتذكر مسألة الحجاب وإرتداداتها داخليا وخارجيا وايضا قضية فتوى الامام الخميني الشهيرة ضد المرتد سلمان رشد في 1989 وما نشهد من إنتشار (الإسلاموفوبيا) منذ نهاية تسعينات القرن الماضي إلا مظهر من مظاهر حرب الصهاينة ضد فرنسا الديغولية من جهة وضد تنامي قوة المسلمين بما يخدم مصالح الامة في فلسطين ومنطقة غرب آسيا، غياب التأثير الإيراني في حينها سمح بصعود نهج السلفية الجهادية وحركة الإخوان داخل مسلمي أوروبا وشمال إفريقيا وتحول الشباب المسلم الى جيش يخدم مصالح اسرائيل والولايات المتحدة ويهدد أمن أوروبا ودول غرب آسيا. تشابك المصالح الإيرانية – الفرنسية يجب أن يكون من خلال النظرة الإستراتيجية للمرحلة الثانية للحكومة الإسلامية بإيران بما يخدم الأمن القومي الإيراني والإقتصاد الإيراني ومصالح دول محور المقاومة الذي يجب أن يتشكل في منظومة سياسية وأقتصادية متكاملة ومتجانسة. الإنسحاب الأمريكي من افغانستان والإعلان عن حلف أكسوس وإنتصار محور المقاومة بسوريا والعراق واليمن يجعل فرنسا وتركيا والسعودية من أكبر الخاسرين بالمعنى الإستراتيجي. لذلك تسعى فرنسا لإيقاف التمدد التركي المدعوم إسرائيليا وأمريكيا بشرق المتوسط رغم إدعائهما دعم اليونان وايضا التواجد التركي بليبيا حيث تسعى إسرائيل الى محاصرة الجزائر بعد تطبيع المغرب وإعلان التعاون العسكري بين المغرب وتركيا وإسرائيل.

فرنسا الدولة الوحيدة في الإتحاد الأوروبي التي تعمل من خلال رؤية جيوسياسية لوقوع الكتلة الجرمانية تحت السيطرة الأمريكية المطلقة وما ألمانيا إلا اداة طيعة للدولة العميقة الامريكية وليس لها تطلعات جيوسياسية. مازال الحليف الأقوى لفرنسا في منطقة غرب آسيا السعودية لذلك يعتبر نجاح الحوار الإيراني – السعودي أحد مفاتيح التقارب الايراني – الفرنسي اضافة الى إستقرار العراق وفتح مجال الإستثمار والتعاون الإقتصادي بين إيران وفرنسا والعراق. إيران القوة الصاعدة عالمياً اذا نجحت في إتمام عودة الولايات المتحدة الأمريكية الى الإتفاق النووي عليها إيجاد إتفاق تعاون مع دول الكتلة اللاتينية المتوجسة من التمدد التركي الذي يعتبره مهدد لأمنها القومي، الرأي العام الفرنسي والأوروبي عامة لم يعد يعتبر إيران تهديد لأمنها القومي بل ينظر اليها كعامل رادع للجماعات الإرهابية ومساعد مهم لإستقرار دول المنطقة.

الاستنتاج

التحديات الكبرى لإيران هي إقتصادية وأمنية وإستراتيجية هناك فرصة حقيقية اليوم بوجود تجانس وتكامل بين مؤسسات الدولة الإيرانية ومراكز القرار المهمة والتحولات في التحالفات الدولية أن تكون إيران مركز تقاطع إستراتيجي لمصالح الكتل الكبرى فبعد إنضمام ايران لمنظمة شنغهاي تشكل هذه الخطوة مساراً جديداً في علاقات إيران مع محيطها، بعد ان ساد مصطلح (الوحدة الاستراتيجية) التي عانت منها طهران في السنوات الماضية. تملك إيران موقع جيو سياسي حيوي يربط دول آسيا وروسيا والهند ويصل الى أوروبا. التلاقي الإيراني – الفرنسي ممكن لما يجمع البلدين على المستوى الثقافي والعلمي وإمكانية التعاون الإقتصادي حيث كانت فرنسا الشريك التجاري الثالث لإيران في بداية الألفية الثانية ومستورد للنفط الإيراني وقادت ترويكت المفاوضات النووية مع بريطانيا وألمانيا، ايران كقوة صاعدة ومركز تأثير مهم لمحور كبير يمتد من غرب آىسيا الى شمال إفريقيا قادرة اليوم على دفع فرنسا الى استقلالية إستراتيجية عن الحليف الأمريكي الذي وجه طعنة لموقع فرنسا الجيو – سياسي بالمحيط الهادئ والمتوسط. الإتحاد الأوروبي يواجه تحديات كبرى تحاول الصين وروسيا الإستفادة من إنعدام الثقفة بين الحلفاء في منظمة الناتو التي لم تعد مركزية في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، إيران بانفتاحها على اليونان فرنسا أوروبا تستطيع تثبيت مصالح دائمة بحوض البحر الأبيض المتوسط.

من المهم لسياسة ايران الخارجية إعادة النظر في أولويتها على مستوى منطقة المتوسط الحيوية ونسج علاقات بما يخدم أمنها القومي وأهدافها الإستراتيجية، تركيا تعمل منذ ما سمي بالربيع العربي على إستعادة نفوذها بشمال إفريقيا ودول البلقان وبلاد القوقاز بدعم أطلسي وهذا على حساب فرنسا وإيران وروسيا، إنتصار محور المقاومة بسوريا والعراق وصمود اليمن والتغيرات بالجزائر وتونس دوافع مهمة لرسم آلية عمل تناسب حجم إيران الجديد كقوة إقليمية في المعادلات الدولية الجديدة، الملاحظ ان تركيا تستفيد وبذكاء شديد من كل التناقضات الجيو- سياسية بين أمريكا وروسيا من جهة وبين ايران ودول الخليج الفارسي وخاصة السعودية من جهة اخرى، وضع ممثل خاص بالخارجية الإيرانية لشمال إفريقيا وجنوب أوروبا مهم جداً في هذه المرحلة الحساسة والمفيدة لديناميكية الحكومة والثورة الإسلامية. تركيا ستبقى منافس قوي لإيران بآسيا لذلك على ايران إعادة ترتيب أولوياتها في منطقة المتوسط للتخفيف عن الضغوط التي تمارس ضدها بالخليج الفارسي من طرف إسرائيل وتركيا.

أظهرت أحداث شرق المتوسط وأحداث القوقاز الأخيرة ان إسرائيل وتركيا تعملان معا بشكل عملياتي موحّد في إطار التعاون العسكري والتقني والإستخباراتي الذي بدأ منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. تركيا الكبرى تسعى للتمدد نحو المتوسط من جهة على حساب فرنسا وبدعم أمريكي، بريطاني وإسرائيلي ونحو القوقاز على حساب روسيا وإيران بدعم إسرائيلي وأمريكي واضح.

الكتلة الأنغلوساكسونية مع الجانب الإسرائيلي تحاصر أوروبا بتركيا من المتوسط جنوبا وبإحداث قلاقل مع روسيا شمالا الملف الأوكراني خاصة بعد أن فقدت أوروبا إحتكارها للقوة، وإضعاف فرنسا بالأخص بالمحيط الهادئ والهندي والمتوسط. للاسف غياب الكتلة العربية وضعفها العسكري والبنيوي ودخولها فيما يسمى بمعاهدة ابراهام للتطبيع مع العدو الصهيوني جعل الدور التركي يتقدّم بسرعة رغم الحضور القوي لمحور المقاومة ومنعه من سقوط وإنهيار سوريا والعراق. الصراع في منطقة أوراسيا سيحتدم عسكريا وأمنيا لأنها ستكون منطقة صراع نفوذ في العشرية القادمة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين.

تركيا وإسرائيل تتقدم من خلال رؤية أمريكية لإعادة تشكل منطقة غرب آسيا والمتوسط وأوراسيا لتعطيل القدرات الإيرانية لعدم قدرة أمريكا على إحتوائها ومنع روسيا من التقدم أوروبيا وعلى ضفاف المتوسط والقدرة على المناورة مع الصين بالمحيط الهادئ والهندي. أمام هذه المستجدات والتغيرات الكبرى والسريعة هل هناك إرادة ايرانية – فرنسية لتشبيك المصالح اقتصادياً وأمنيا وان أمكن عسكريا؟

بقلم: السيد عماد الدين الحمروني/ أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة باريس والخبير في الشأن الإيراني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 2/6554 sec