رقم الخبر: 352377 تاريخ النشر: نيسان 18, 2022 الوقت: 15:27 الاقسام: مقابلات  
فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (ا)
على أعتاب ليالي القدر المباركة "الشيخ مهدي النيازي" في حوار خاص مع "الوفاق"

فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (ا)

حيث أن الصيام عبادة لابد من ان تشترك فيها الأمة جمعاء الذكر والأنثى، الكبير والصغير الغني والفقير، فكلهم مدعوون بنداء التكليف أن يشتركوا في أداء هذا الواجب السامي .

ويحققوا مجتمع الصوم العبادة، مجتمع الإيمان والتقوى، وإنها مصفاة النفوس ورباط المجتمعات وإنها تآلف بين الأفراد، حتى كان شهر الصيام من الأشهر التي مُنع فيها عن النزاع والمشاحنات وإثارة البغضاء والأحقاد، فهذا يبرز المدلول الاجتماعي لموسم رمضان والصلة الوثيقة بين الصوم وتنمية علاقات الإنسان المسلم والمجتمع المسلم بغيره من الأفراد والمجتمعات.

وهذه الأوصاف والمواصفات المباركة التي تكون من المعطيات التجربية الروحية والبدنية للإنسان والمجتمع تقتضي بتمامها الوحدة الإسلامية بين الشعوب والامة الإسلامية حتى الأديان السماوية لأنها كانت ذروتها التي تكون لها نتائج قيمة مهمة في العالم المعاصر.

والصحوة الاسلامية ويقظة المسلمين في التاريخ المعاصر بسبب عروض  معالم الانحطاط والتخلف في المجتمعات الإسلامية من جهة والهجوم الشمولي الواسع من الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي في القرون الأخيرة من جهة أخرى يمثّلان أهم مسألتين محوريتين يعيشها المسلمون، سواءً الأشخاص الذين يتعاطون الشأن السياسي أو الشأن الفكري والديني، وقد أفرزت هاتان المسألتان ردود فعل مختلفة وتداعيات متنوعة في الوعي العام، وبالإمكان اختزال هذه الإنعكاسات والتداعيات على الواقع الإسلامي وهناك الأطروحة الفكرية والثقافية من تساؤلات وعلامات استفهام في الوعي العام وللحديث والإجابة عن هذه الأسئلة ومسائل اخرى اجرت الصحيفة بتمهيد وإقامة حوار موسع في هذا المجال مع أحد العلماء وأستاذ درس الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم المقدسة سماحة آية الله الحاج الشيخ مهدي النيازي الشاهرودي (حفظه الله).

وتتصدى (الوفاق) من اليوم وضمن الأعداد اللاحقة نشر هذا الحوار بشكل كامل، راجين أن يكون مفيداً لأهل العلم وأصحاب النظر في هذا المجال وسائر القراء الكرام إن شاء الله تعالى.

وفيما يلي نقدّم لكم نص الحوار:

س: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم، سماحة الاستاذ بدايةً نود ان نتقدم لكم بالشكر الجزيل على الوقت الذي منحتمونا اياه وعلى مشاركتكم في هذا الحوار القيم، نرجوا منكم كمقدمة للدخول في البحث، الحديث عن ما هي مكانة فريضة الصوم في الدين وما الدليل على تشريع الصوم بعنوان العبادة الواجبة في الإسلام على ضوء النصوص القرآنية والروائية.

ج: بسم الله الرحمن الرحيم ، السلام عليكم ورحمة الله ، اللهم صل على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، انك تهدي من تشاء الى صراء المستقيم. ثم إني اشكركم لتمهيد هذا الحوار وأرجو ان يتقبل الله تعالى منا ومنكم جهودكم وان يكون ذلك محلّاً لتوجه وعناية اهل البيت (عليهم السلام) ومفيداً لأصحاب العلم والفضل إن شاء الله.

ان الله سبحانه وتعالى خلق العباد ليؤدوا في هذه الحياة رسالة الله التي استخلفهم بالأرض لأجلها، الا وهي حسن الصلة به سبحانه، والتعاون فيما بينهم على خير البشرية واسعادها، اذاً فهما واجبان ثابتان لابد عن أدائهما اذا ما أراد المرء أن يقتحم أسرار الحياة الدنيا بسلام، ويلقى الله تعالى كذلك في سلام، فان الأعمال متى صدرت من داخل الشخص فهي الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فالأصل الثابت هو النفوس الحية اليقظة، والارادات التي لا تهن ولاتضعف، فإذا بفرعها ونتاجها وإذا بعملها ومحصولها أصبح شامخاً في السماء، وكل يوم لابد أن تؤتي أكلاً جديداً، وعملاً طيباً حميداً.

أما الأعمال المعزولة عن صدق النفوس وصحة الضمائر، فهي كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وليس من الدين ما ينصب على إصلاح النفوس وترويضها على أمّهات الفضائل، وحملها على مكارم الأخلاق، مثل الصوم، وصدق نبي الإسلام (ص) في قوله: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له ولا مثل" (1*) وهو يدل بالصراحة على أهميته وقيمه في الشريعة.

وأما النصوص الشرعية من الآيات الكريمة والروايات الشريفة التي شرعت هذه العبادة في الإسلام:

يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كتِبَ عَلَيكمُ الصِّيامُ كمَا كتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكمْ لَعَلَّكمْ تَتَّقُونَ أَياماً مَعْدُودَاتٍ، فَمَنْ كانَ مِنْكمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَر، وَعَلَى الَّذِينَ يطِيقُونَهُ فِدْيةٌ طَعَامُ مِسْكينٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكمْ، إِنْ كنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَينَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكمُ الشَّهْرَ فَلْيصُمْهُ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيامٍ أُخَرَ، يرِيدُ اللَّهُ بِكمُ الْيسْرَ وَلَا يرِيدُ بِكمُ الْعُسْرَ وَلِتُكمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكمْ وَلَعَلَّكمْ تَشْكرُونَ (2*)

نزلت هذه الآيات لتشرع فريضة الصيام للعباد تلك الفريضة التي تحمل في مشقتها الخير كل الخير والعطاء كل العطاء والهداية والرشاد تلك الفريضة التي فيها تحرير إرادة الانسان وتوطيد عزمه وفيها تصعيد شخصيته الى مستواها الجهادي، يتحمل الصعاب والمشكلات صابراً محتسباً متمالكاً أمام ضرورات الجسم وإغراء الشهوات وإلحاح الأهواء التي تواجه الإنسان في مختلف المواقف لا لعوز افتقار أو ضغط وتحديد أو عقوبة وقانون بل بملئ الرغبة وكامل الطواعية وأن الصيام فريضة ليست إسلامية فحسبُ وإنما هي مكتوبة على من قبلنا من الأمم ومشرعة في غير الإسلام من الشرائع ايضاً، إنها فريضة لما تحمل من الخير والعطاء لا تعفى منها أمّة ولا يستغني عنها مجتمع لأنها استهدفت السعادة وشاءت الصلاح والإصلاح.

وأما المقطع الآخر من الآية الكريمة (لعلّكم تتقون) لنكتشف منه أعظم جوانب هذه العبارة ومداليلها إنها عبادة تورث التقوى وتمنح الوقاية من الأدران والأوساخ وأمراض النفس والروح وهي ترويض للإرادة على الصمود والاستبسال وحصانة لشخصيته من الميعان والذوبان، وكذلك آيات اخرى.

وأما الروايات في هذا المجال كثيرة فلنذكر بعضها نموذجاً مثل الخطبة الشريفة التي استقبل بها رسول الله (ص) شهر رمضان المبارك حيث خطبها في آخر جمعة من شعبان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه قد أظلّكم شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر وهو شهر رمضان فرض الله صيامه وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كتطوع صلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر كأجر من أدّى فريضة من فرائض الله كان كمن أدّى سبعين فريضة من فرائض الله في ما سواه من الشهور وهو شهر الصبر وإن الصبر ثوابه الجنة. وشهر المواساة وشهر يزيد الله في رزق المؤمن فيه ومن فطّر فيه مؤمناً صائماً كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لذنوبه فيما مضى(3*).

وقال الإمام الصادق (ع): إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، لان الغني كلما أراد شيئا قدر عليه، فأراد الله تعالى أن يسوي بين خلقه،  وأن يذيق الغني مس الجوع والالم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع(4*).وكذلك روايات اخرى.

س: الصيام فريضة ليست اسلامية فحسبُ بل كان مكتوباً على الامم السابقة ومشرعة في غير الاسلام من الشرايع أيضاً، كيف يفسّر وما هي علة هذا الأمر.

ج: يوحي الينا المقطع القرآني الكريم (كما كتب على الذين من قبلكم) أن الصيام فريضة ليست إسلامية فحسبُ وإنما هي مكتوبة على من قبلنا من الأمم ومشرعة في غير الإسلام من الشرايع ايضاً، إنها فريضة لما تحمل من الخير والعطاء لا تعفى منها أمّة ولا يستغني عنها مجتمع لأنها استهدفت السعادة وشاءت الصلاح والإصلاح.

وبذلك كانت ظاهرة الصيام شائعة بين أصحاب الديانات كافّة التي تمتلك جذوراً تاريخية تربطها بشريعة نزلت من عند الله عزّوجل لا تلك التي نسجتها عقول الانحراف ووضعتها أهواؤهم، ففكرة الصيام كأداة لتطهير النفس وتهذيب الروح لا تزال محفوظة في أكثر الديانات رغم اختلاف كيفياتها وآدابها وحدودها وأوقاتها.

وهذه خصيصة تأريخية تدل على عمق هذه العبادة وأصالتها في التشريع.

وجاءت الأديان المنزلة ففريضة الصوم على أتباعها لاعتبارات دينية وصحية معاً، فاليهودية والمسيحية والإسلام، ثلاثتها تفرض الصوم على العباد في أوقات معينة بشروط محدودة، وأهم مواسم الصوم عن أتباع هذه الديانات يوم (بوريم) ويوم (كيبور) عند اليهود، ويفرض فيهما الانقطاع التام عن الطعام والشراب مدّة 24 ساعة، والصوم الكبير عند المسيحيين وهو يقضي بالانقطاع عن الطعام والشراب من منتصف الليل الى الظهر ـ أي 12 ساعة ـ لمدة أربعين يوماً ، وصوم رمضان عند المسلمين وهو يقضي بالانقطاع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر الى مغيب الشمس طوال ذلك الشهر.

ولليهود والمسيحيين مواسم أخرى يفرض فيها الصوم، أو الامتناع عن تناول أنواع معينة من الأغذية لمدة تقصر أو تطول حسب الدين والموسم، وقد صام موسى عليه السلام قبل أن يتلقى الألواح، جاء في التوراة في سفر الخروج من الاصحاح الرابع والثلاثين: (وكان موسى هناك عند الرب أربعين نهاراً وأربعين ليلة، لم يأكل خبزاً ولم يشرب ماء، فكتب على اللوحين كلمات العهد ، الكلمات العشر) وصام عيسى عليه السلام قبل أن يتلقى الوحي من ربّه، جاء في الاصحاح الرابع من إنجيل متى: (فبعد ما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً).

تقول دائرة المعارف البريطانية: ان اكثر الديانات دانيها وعاليها قد فرضت الصيام وأوجبته، فهو يلازم النفوس حتّى في غير أوقات الشعائر الدينية يقوم به بعض الأفراد إستجابة للطبيعة البشرية في بعض مظاهرها.

وانتشرت فريضة الصوم عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وجاء الاسلام يعلمنا ان الصوم إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنّا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.

س: ما هو معنى الصوم الحقيقي عند الله سبحانه وتعالى؟

ج: يكفي في الجواب عن هذا السؤال ما ورد في لسان الإمام الصادق عليه السلام من:

ان الصيام ليس هو الامتناع عن الطعام والشراب وحده، إنما للصوم شرط يحتاج أن يحفظ حتى يتمّ الصوم وهو صمت الداخل، أما تسمع ما قالت مريم ابنة عمران: "أني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسياً"(5*) يعني صمتاً.

فإذا صمتم فاحفظوا السنتكم عن الكذب ، وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ، ولا تحاسدوا، ولا تغابنوا، ولا تماروا، ولاتكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا، ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تجادلوا، ولا تظلموا، ولا تسافهوا، ولا تضاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة، والزموا الصمت، والحلم والصبر، والصدق، ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور، والكذب، والخصومة وظنّ السوء، والغيبة والنميمة، وعليكم بالوقار، والخشوع، والخضوع، إلى أن قال: فإذا فعلتم ذلك فأنتم صائمون لله تعالى بحقيقة صومه.(6*).

س: حيث ان الشارع الحكيم كلّف العباد بتنويع العبادات هل يمكن القول بأن علاج النفس من كل نواحيها يقتضي ذلك الأمر وما هي مكانة الصوم في اطار ومنظومة العبادات التي شرعت في الاسلام؟

ج: نعم من بالغ حكمة الله سبحانه أنه ما كلّف المسلم بنوع واحد من العبادات في زمن واحد من الأوقات، بل كلّفه بعدة أنواع من العبادات في عدة أزمان، كلّفه بعبادة بدنية كالصلاة، وبعبادة مالية كالزكاة، وبعبادة بدنية مالية معاً كالحج، وبعبادة سلبية كالصيام، وكلّفه بعبادة مكررة في كل يوم وليلة، وبعبادة مكررة في كل سنة، وبعبادة واحدة في العمر.

ولعل مقصود الشارع الحكيم بتنويع ما كلّف به من العبادات أن تكون للإيمان القلبي مظاهر شتّى تدلّ عليه وتثبته وتقوّيه، وأن تكون للمؤمن عدة امتحانات وابتلاءات تختبر بها نفسه وارادته وعزيمته من كافة نواحيها، وأن يكون تهذيب النفس شاملاً كاملاً، لأن الإنسان قد يكون قوي الإرادة في العبادة البدنية دون المالية، أو في الايجابية دون السلبية، أو في الحولية دون المتكررة في كل يوم وليلة.

فعلاج النفس من كل نواحيها يقتضي تنويع ما تكلّف به، وقد صرح القرآن بأن التكليف لمصلحة الإنسان نفسه ليس لله فيه غرض، قال الله تعالى في الصلاة: "ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" (7*) وفي الزكاة: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" (8*) وفي الحج: "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم لله" (9*) وفي الصوم: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (10*)، ففائدة الصلاة في تجنيب صاحبها المعاصي، والزكاة بركة المال ومودة الفقراء، والحج شهود معالم الخير واجتماعات التعاون ومؤتمرات السلام الإسلامي وذكر الله، وللصوم فائدة في تحقيق التقوى للصائم.

ويكفي في فضيلة الصيام ما ورد عن الرسول الأعظم (ص) حيث قال: قال الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فانه لي وأنا أجزي به (11*). أن صاحب هذا العنوان، صاحب الخلق والأمر، ورب القوى والقدر، قال - ونعم ما قال- : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.

والله لو استشعر الصائم في صيامه هذين المعنيين الكريمين ـ لي وأنا ـ وأنه الى الله وحده يتجه، وله يعبد، وأن الله نفسه سيتولي توزيع الجائزة عليه، لتَمنّى أن يكون رمضان ماضيا في جميع العام.

س: بما ان الصوم يهذب النفس وترويض لكل ابعاد الانسان روحا وجسما وعقلا ويتربّى النفس على ملكة الصبر ، ما هي آثار ومعطيات هذه العبادة العظيمة في الفرد والمجتمع الاسلامي؟

ج:أما بالنسبة الى آثار ومعطيات الصيام على الإنسان نقول: الصوم الحقيقي يهذب النفس الرعناء وينمي العواطف الحساسة، ويقوي المشاعر الحية، والإنسان بغير الإنسانية البارة الحنون يكون خالي العواطف، جامد الشعور، ضعيف الاحساس، الفرد والمجموع في ذلك سواء.

وأنه ليس فقط إمساكا عن الطعام والشراب في ساعات محدودة، وإنما هي إمساك عن كل لذّة ومتاع وتمالك عن كل ما حرم الله من فعل أو قول أو شعور، ومن دون هذه الروح الحقيقية للإمساك فليس هنالك إلا صورة إمساك، ربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

وإنها ليست فريضة الجوع والعطش فحسبُ، إنها صيام العقل والقلب عن الهواجس المريضة والضمير عن النوايا الخبيثة والجوارح عن الكسل والاسترخاء، إنها صيام الانسان عن الشهوات وصيام الحاكم عن الظلم والطغيان وصيام العالم عن التحريف والجاهل عن الانحراف والمجاهد عن التراجع والجبن.

إنها عبادة لابد من ان تشترك فيها الأمة جمعاء الذكر والانثى، الكبير والصغير، الغني والفقير، فكلهم مدعوون بنداء التكليف أن يشتركوا في أداء هذا الواجب السامي ويحققوا مجتمع الصوم العبادة، مجتمع الإيمان والتقوى.

وأما بالنسبة الى آثار ومعطيات الصيام في المجتمع، نقول: كل مجتمع مكوّن من أفراد كالقصر مكوّن من لبنات، وعلى تقدير سلامة اللبنات وقوتها تكون سلامة القصر وقوته، فما الكل إلا من البعض، ومتى سلّمنا بآثار الصوم في الفرد جسمياً وعقلياً فقد سلّمنا بآثاره العظيمة كذلك في المجتمع، حسب المجتمع عزّاً ونصراً أن يقوم بنيانه على أفراد صحت أجسامهم وسلمت عقولهم، وأن يرتكز على جماعات صار الصبر ديدنها، وقوّة النفس طبعاً لها، وأصبحت الإرادات الماضية شأنها في كل ما تقوم به.

وما أحوج الأمم الى الصبر والمصابرة ، والارادة التي لا تهن ولا تساوم على حق، ومن الخصائص البارزة لهذه الفريضة الكريمة أيضا أنها تحمل في طياتها مشاعر التعاطف والولاء تدني العدو من العدو الغني من الفقير، والسائل من المسؤول والحاكم من المحكوم، إنها فريضة الرحمة والوداد بين مختلف طبقات الأمة التي تنقطع الى الله تعالى وهي تؤدي هذه العبادة في توجه واحد ومشقّة واحدة يتغاضون بها عن الأضغان والمشاحنات وينبذون ورائهم الإحن والأحقاد، إنها مصفاة النفوس ورباط المجتمعات وإنها تآلف بين الأفراد، حتى كان شهر الصيام من الأشهر التي مُنع فيها عن النزاع والمشاحنات وإثارة البغضاء والأحقاد فهذا يبرز المدلول الاجتماعي لموسم رمضان والصلة الوثيقة بين الصوم وتنمية علاقات الإنسان المسلم والمجتمع المسلم بغيره من الأفراد والمجتمعات.

ولهذا حثّنا الاسلام على الاكثار منه في سائر أيام السنة، في الاسبوع يومان، وفي الشهر ثلاثة أيام، سوى أيام كثيرة اخر، حتى يكون باب هذه المدرسة المباركة مفتوحة في طيلة السنة وهذا الصوم الفرعي مذكراً بمركزه العام شهر رمضان.

س: ليلة القدر التي وقعت في شهر رمضان هي ليلة مولد القرآن العظيم، ما هي مدى أهمية وقيم هذه الليلة المباركة؟

ج: واخيرا شهر رمضان الموسم السنوي لهذه الفريضة والذي يحمل من الايحاءات ما يجل عن الوصف والبيان يستمد عظمة ايحاءاته وقوته الروحية ومدلوله التاريخي الكبير من كونه ظرفا لأضخم حدث في تاريخ هذا الانسان اذ قدر الله سبحانه وتعالى أن ينزل فيه أكمل الرسالات وأشملها نطقا وأغزرها عطاء ويختار من بين لياليه الشريفة ليلة القدر فيجعلها خيرا من ألف شهر لأنها الليلة التي احتضنت تلك الرسالة العظيمة متمثلة في كتابها الخالد فكانت ليلة القدر هي ليلة مولد القرآن العظيم والمسرح الزمني لذلك الحدث السماوي الفريد الذي لم يتكرر ولن يتكرر في عمر الدنيا والذي ظل العالم منذ أن خلقت السماوات والأرض متلهفا اليه وجاءت الرسالات والنبوآت ممهدة لمقدمه. فمن الجدير إذن ان يجدد الانسان صلته بربه في هذا الشهر بتجديده عهده مع كتابه العظيم الذي أنزله في هذا الشهر فيكثر من قراءته والتدبر في آياته والتأمل في معانيه وحكمه مؤكدا في كل ذلك بيعته له وتمسكه به، إنه يصدق مناهجه ويبطل ما سواه وإنه يطبق أحكامه ويلبي دعوته حيثما دعاه وإن يجاهد دونه بنفسه وماله وكل ما تملكه يديه في سبيل ارجاعه الى الحياة دستوراً حياً وكتابا خالدا ناطقا بالحق قائما بالقسط.

وإذا كانت ليلة القدر هي القمة في تاريخ الوحي ومركز الثقل في صلة السماء بالارض فقد رشّحها الله سبحانه وتعالى لكي تكون مركز الثقل في المنهج الرمضاني للإنسان المسلم فشهر رمضان مدرسة لروح الإنسان وضميره وارادته يعيش فيه منهجاً ربانيا للتسامي والنمو وليلة القدر هي قمة ذلك المنهج وفترة الامتحان فيه، فكل من اُتيح له أن ينجح في هذا الامتحان فقد حقق لنفسه ليلة القدر في ليلة القدر.

س: بما ان الشارع جعل عيد الفطر عقيب شهر رمضان، صح التعبير بان نقول هو يوم الانتصار والنجاح للصائمين في ساحة الفرد والمجتمع وانه يوم الجائزة، ما هو التفسير عن ذلك؟

ج: وليس غريبا على هذا الضوء أن نلاحظ أن الاسلام جعل من يوم الفطر عيدا لا لأنه اليوم الذي يتاح فيه للإنسان إشباع رغباته الجسمية بل لأنه يوم الفرحة بالانتصار فهو عيد انتصار الانسان على شهواته واكماله لمنهج ربه وخروجه من الشوط طاهرا نقياً زكياً ليستأنف حياته بقلب أنظف وارادة أسلم وجسم أقوى.

فإنه بعد أن حاز المسلمون صوم الشهر بنجاح وبذلوا فيه من الصبر والرضا ما بذلوا اذاً فليروح الله عن نفوسهم ليجعل لهم سرورهم ويتم لهم حفل تكريم يشهده الملأ الأعلى في السماوات وصالح المؤمنين في الارض يجتمعون معا مهنئين مكبرين الله على إتمام النعمة وكمال التوفيق "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" (12*) ويسمّى هذا اليوم السعيد في الأرض بالعيد وفي السماء بيوم الجائزة. ينادي الحق تبارك وتعالى ملائكته (ما جزاء الأجير إذا عمل عمله فيقولون إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفّى أجره فيقول تعالى: أشهدكم أني جعلت ثوابهم لصيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي. ثم يقول سبحانه وقد نظر الى جميع المصلّين للعيد نظرة رحمة وحنان: "سلوني يا عبادي فوعزّتي لا تسألوني اليوم في جمعكم هذا لأخرتكم الا اعطيتكم ولا لدنياكم الا نظرت لكم وقد أرضيتموني فرضيت عنكم انصرفوا مغفورا لكم" (13*) فما أجل رحمة الله وما أحكم شريعته وما أسطع أنوار دينه الحنيف السمح المملوء هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين الصادقين.

الهوامش

1- كنز العمال 8 : 456 ح23638

2- البقرة: 183-185.

3- فروع الكافي، كتاب الصوم، ج4، ح4، ص66.

4- وسائل الشيعة، ج10، ص7، ح12694.

5- مريم: 26

6- الوسائل 10: 166 ح13132.

7- العنكبوت : 45.

8- التوبة: 103

9- الحج: 28.

10-  البقرة: 183

11- الخصال، ج1، ص45، ح42

12- يونس: 58

13- بحار الأنوار: ج96، ص338،ح1.

يتبع...

 

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
Page Generated in 0/8990 sec