رقم الخبر: 352432 تاريخ النشر: نيسان 19, 2022 الوقت: 14:37 الاقسام: مقابلات  
فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (2)
على أعتاب ليالي القدر المباركة "الشيخ مهدي النيازي" في حوار خاص مع "الوفاق"

فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (2)

حيث أن الصيام عبادة لابد من ان تشترك فيها الأمة جمعاء الذكر والأنثى، الكبير والصغير الغني والفقير، فكلهم مدعوون بنداء التكليف أن يشتركوا في أداء هذا الواجب السامي ويحققوا مجتمع الصوم العبادة، مجتمع الإيمان والتقوى.

  وإنها مصفاة النفوس ورباط المجتمعات وإنها تآلف بين الأفراد، حتى كان شهر الصيام من الأشهر التي مُنع فيها عن النزاع والمشاحنات وإثارة البغضاء والأحقاد، فهذا يبرز المدلول الاجتماعي لموسم رمضان والصلة الوثيقة بين الصوم وتنمية علاقات الإنسان المسلم والمجتمع المسلم بغيره من الأفراد والمجتمعات.

وهذه الأوصاف والمواصفات المباركة التي تكون من المعطيات التجربية الروحية والبدنية للإنسان والمجتمع تقتضي بتمامها الوحدة الإسلامية بين الشعوب والامة الإسلامية حتى الأديان السماوية لأنها كانت ذروتها التي تكون لها نتائج قيمة مهمة في العالم المعاصر.

والصحوة الاسلامية ويقظة المسلمين في التاريخ المعاصر بسبب عروض  معالم الانحطاط والتخلف في المجتمعات الإسلامية من جهة والهجوم الشمولي الواسع من الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي في القرون الأخيرة من جهة أخرى يمثّلان أهم مسألتين محوريتين يعيشها المسلمون، سواءً الأشخاص الذين يتعاطون الشأن السياسي أو الشأن الفكري والديني، وقد أفرزت هاتان المسألتان ردود فعل مختلفة وتداعيات متنوعة في الوعي العام، وبالإمكان اختزال هذه الإنعكاسات والتداعيات على الواقع الإسلامي وهناك الأطروحة الفكرية والثقافية من تساؤلات وعلامات استفهام في الوعي العام وللحديث والإجابة عن هذه الأسئلة ومسائل اخرى اجرت الصحيفة بتمهيد وإقامة حوار موسع في هذا المجال مع أحد العلماء وأستاذ درس الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم المقدسة سماحة آية الله الحاج الشيخ مهدي النيازي الشاهرودي (حفظه الله).

وقد نشرت (الوفاق) القسم الأول يوم أمس، واليوم نقدّم لكم القسم الثاني من هذا الحوار، راجين أن يكون مفيداً لأهل العلم وأصحاب النظر في هذا المجال وسائر القراء الكرام إن شاء الله تعالى، وفيما يلي القسم الثاني من نص الحوار:

س: لمّا كانت زكاة الفطرة يوم العيد من الامور التي فرضت في الاسلام ادائها، ما هي حكمة هذه الظاهرة؟

ج: وما أجمل مشروعية صدقة الفطر عقب رمضان أو فيه، فهي تطبيق للعلم على العمل. والبذل من النعمة بعد أن ذاقت النفس مرارة العوز والحرمان وشعرت بما عليه حال الكثير من البؤس والحاجة والغنى كما يقولون تاج على رؤوس الأغنياء لا يراه إلا الفقراء وبضدها تتميز الأشياء، وقد قالوا: لا يدري طعم الفقر من هو غني.

ولما كان شهر رمضان فترة تطهير روحي للإنسان فمن الطبيعي أن نلاحظ أن الإسلام شرّع في نهاية هذا الموسم العظيم زكاة الفطرة تطهيراً للمال لكي يطهّر الإنسان المسلم ماله بعد أن طهّر روحه وقلبه ويتحقق بذلك الإنسجام بين كل جوانب وجوده الخاص الذي يعبّئه موسم رمضان للعمل المخلص الجاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

حكمة الله اقتضت أن يتبع شهر رمضان شهر الصبر والجود بشيء من الصدقة ، يبذله المرء عن طيب نفس وذلك لما يأتي:

1- لشكر الله على فضله وتوفيقه للصائم، واعانته له على أداء شعيرة الصيام وسنة القيام، حتى يستوجب من ربه المزيد من الهدايا "لئن شكرتم لأزيدنكم" (1*).

2- لا يخلو الصائم من هفوات بدرت منه في صيامه فشرعت الزكاة تطهيراً له وتزكية لصيامه.

3- هي أشبه بامتحان عملي للصائم، هل استفاد من صيامه خلق العطف والشعور بحاجة المعوزين؟

4- ليكمل الشعور بالوحدة في العيد وحدّة السرور والغبطة بين الفقير والغني كما تساووا جميعا في الصيام، فيكون الفرح شاملاً والانشراح عاماً.

حدث ابن عباس ان رسول الله (ص) فرض صدقة الفطر مطهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ، فمن أدّاها قبل الصلاة ـ صلاة العيد ـ فهي زكاة مقبولة ، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، وفي الحديث أيضاً: صوم رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع الا بزكاة الفطر. (2*)

وقد فرضت زكاة الفطر في العام الذي فرض فيه الصيام أي العام الثاني من الهجرة ، وأوجب الإسلام إخراجها عن الذكر والانثى، والحر والعبد، والصغير والكبير من المسلمين.

وسئل رسول الله (ص) عن قوله تعالى: "قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلّى" (3*) فقال: نزلت في زكاة الفطر.

ويخرجها المرء عن نفسه ومن يعوله من زوجة وأطفال وخدم ووالدين، فعليه أن يحصي عدد أفراد أسرته الذين ينفق عليهم ثمّ يخرج الزكاة عنهم وعن نفسه، وكلّ من وجبت عليه نفقته وجبت عليه زكاته، أمّا الغني فيزكيه الله بها، وأما الفقير فيخلف عليه أضعاف ما أنفق المرء من غالب قوت المكان الذي يعيش فيه، والمقدار الواجب عن كلّ شخص صاع.

ولو ألهم الله المسلمين رشدهم ووقاهم شح نفوسهم وعمّموا اخراج هذه الزكاة ونظموها كما ينبغي لأحدثت أثراً طيباً يغتبط به كلّ مصلح، ولو أنّ كل قرية أو مدينة قام منها قوم أمناء محتسبون بجمع هذه الزكاة على وجه الدّقة بحيث لا يتركون انساناً عليه زكاة إلا أخذوها، ثم نظموا توزيع الإحسان حسب المصلحة العامّة إذاً لتكوّن من ذلك رأس مال ضخم، فينفق منه على المعدومين وذوي العاهات والعجزة حتى يفد عليهم العيد وقد عمتهم رحمة الله، وسرهم سخاء المؤمنين.

وفي النهاية نقول: فإليكم أيها المسلمون مدرسة الصوم قد فتحت أبوابها، وهيأت فصولها، وأعدت علومها وآدابها، فادخلوها على بركة الله، وانهلوا من عذب معارفها وأخلاقها، وخذوا منها غذاء الروح وطلب البدن، حتّى إذا ما أكملت عدّة الدروس، وتمت منك المواظبة وطاب السلوك، فترقبوا حينئذ ما أعدّه منشؤها الرب الكريم من أعياد وأمجاد، وتكريم وتقدير للصائمين القائمين.

نذكر هذا ونستشهد به لعلّ المسلمين في جميع الأقطار يهتمّون بأمر دينهم ويرتشفون محاسنه وحكمه العالية، ليتمسّكوا بأهدافه ويعملوا بأحكامه ويحرصوا على آدابه ويتخلقوا بأخلاقه إن شاء الله تعالى.

س: سماحة الاستاذ حينئذ وصلنا الى البحث من مسألة الوحدة بين المسلمين بل الاديان السماوية فارجوا في البداية من سماحتكم وضحوا لنا بصورة مختصرة تطوير النهضة الإسلامية وتأصيل الوعي الديني لدى المسلمين في القرون الأخيرة.

ج: أما بالنسبة لهذا السؤال نقول ما من شك أنّ المفكرين والمصلحين الاسلاميين كان لهم دور هام في الصحوة الإسلامية ويقظة المسلمين في التاريخ المعاصر فمن خبرتهم ومعلوماتهم الواسعة في مجال العلوم والمعارف الإسلامية وكذلك معرفتهم بالفكر الديني والاجتماعي والسياسي و...  استطاعوا أن يبدعوا اتجاهاً جديداً في العالم الإسلامي ويساهموا في بقاء وتفعيل الدين واستيعابهم لكل مجالات الحياة بمنهجيتهم العقلانية وبشكل متلائم مع ظروف ومتطلبات الوضع الجديد فهم أدركوا وملكوا فهماً شاملاً للمشاكل والمصاعب التي يعيشها المسلمون وأزمة التخلف والانحطاط الذي أصاب العالم الإسلامي وسعوا لإيجاد الحلول لهذه المشاكل والمصاعب.

وليس الهدف في هذا المجال تحديد وتقدير ما توفقوا إلى الوصول إليه في هذا المجال أو إثارتهم اطروحة الفكرية والثقافية من تساؤلات وعلامات استفهام في الوعي العام، ولكن ينبغي الاذعان بهذه الحقيقة وهي أنّ أفكارهم وآرائهم كان لها تأثير واضح على الفكر الديني لدى أجيال متتالية من العلماء وساروا في خطهم وهؤلاء المصلحون عاشوا هاجس الإصلاح الديني في أجواء المجتمع الإسلامي واستطاعوا من خلال الاستعانة بما يتوفر في التراث الإسلامي من ذخائر وكنوز فكرية، الوقوف أمام اتجاهين في هذا المجال:

1 ـ الاتجاه الأصولي المتعبد بالنصوص بصورة مطلقة ورفض تحكيم العقل في تفسيرها وبيان أهدافها.

2 ـ اتجاه التبعية المطلقة للغرب لدى بعض التنويريين.

وبذلك هؤلاء المصلحون اختاروا طريقاً وسطاً يجمع بين عصرنة الدين ويحول دون ضموره وتضعيف قيمه في قبال القيم الغربية.

إنّ هذا النمط من التفكير، الذي كان انطلق واستمر إلى أن وصل الذروة في فكر الإمام الخميني(رحمه الله) والإمام الخامنئي (حفظه الله) وسيرتهما.

س: ما هي المواقف والأساليب التي تبنتها المجتمعات الإسلامية لدفع المشاكل التي تفضلتم بذكرها؟

ج: بالنسبة إلى هذا السؤال يمكن ان نبحث في مجالين:

المجال الأول ـ أزمة التخلف، الاتجاهات والتداعيات.

المجال الثاني ـ أطروحة المشاكل والحلول المناسبة.

إنّ عروض معالم الانحطاط والتخلف في المجتمعات الإسلامية من جهة والهجوم الشمولي الواسع من الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي في القرون الأخيرة من جهة أخرى، يمثّلان أهم مسألتين محوريتين يعيشها المسلمون، سواءً الأشخاص الذين يتعاطون الشأن السياسي أو الشأن الفكري والديني، وقد أفرزت هاتان المسألتان ردود فعل مختلفة وتداعيات متنوعة في الوعي العام، وبالإمكان اختزال هذه الانعكاسات والتداعيات على الواقع الإسلامي بظهور اتجاهين أو تيارين:

1 ـ تيار التبعية المطلقة للحضارة الغربية ويشمل في أجوائه المستغربين وكذلك المتأثرين بالغرب (التيار التجديدي).

2 ـ تيار الإحياء الديني وإعادة انتاج الفكر الديني، المكوّن من الاتجاه الأصولي، والاتجاه الراديكالي  الإسلامي (تيار الإصلاح الديني).

أما تيار التبعية للحضارة الغربية من المتغربين إلى المتأثرين بالغرب (التيار التجديدي).

وهذا التيار من الناحية التاريخية أقدم نسبياً من التيار الثاني وتتشكل هذه التركيبة الإجتماعية من المثقفين ورجال السياسة والإداريين والعسكريين وأصحاب المشاغل وطلاّب الجامعات وما شاكل ذلك.

وفي نظر هؤلاء أنّ طريق الحل للأزمة التي يمرّ بها المسلمون تكمن في عملية التقليد والتبعية في كافة الجوانب والأبعاد والقيم والأهداف للنموذج الذي أنتجه الغرب وللثقافة الغربية.

إنّ هذا التيار يرفض جميع القيم والاتجاهات الفكرية والمرتكزات الاجتماعية والتاريخية والثقافية والدينية والحضارية التي عاشها المسلمون في الماضي إذا لم تتوافق مع المعايير والملاكات  الغربية ويقبلون جميع الظواهر الجديدة الواردة من الغرب والتي تمثّل نمطاً فكرياً وحضارياً تعيشها المجتمعات الغربية الحديثة على أساس أنّها مظهر العلم والرقي والتقدم.

أمّا رموز هذا التيار من البلدان العربية والإسلامية الذين يتفقون على هذه الأصول والمرتكزات والأهداف مع قليل من الاختلاف هم: الطهطاوي، قاسم أمين، مصطفى كامل، أحمد لطفي السيد ومحمد حسنين هيكل في مصر والبلدان العربية وكذلك السيد أحمد خان من الهند وملكم خان وتقي زاده من ايران.

وفي هذا التيار التجديدي نرى وجود اتجاهين مختلفين لكل منهما مشخصات وخصوصيات ومعالم خاصة تميزه عن الآخر:

الاتجاه الأول: يتمثّل في الكتّاب والمثقفين أمثال السيد أحمد خان، الذين يؤكدون على لزوم التبعية للحضارة الغربية من الناحية الفكرية والثقافية ويمكن اطلاق كلمة المستغربين، أو بعبارة أخرى المؤمنين بالغرب.

الاتجاه الثاني: هم الذين يتحركون في البعد السياسي وفي أفكارهم واطروحاتهم الفكرية والسياسية من موقع التبعية المحضة للغرب ويقررون ضرورة القبول بالنظام القيمي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أفرزته الحضارة الغربية ومن رموز هذا الاتجاه ملكم خان وتقي زاده اللذين رفعا شعار "اعتناق الحضارة الغربية من أعلى الرأس إلى أخمص القدم" وبالإمكان تسمية هؤلاء بالمتأثرين بالغرب أو الدائرين حول محور الغرب.

وأما تيار الإحياء الديني وإعادة انتاج الفكر الديني، من الأصولية الإسلامية إلى الراديكالية الإسلامية (الإصلاح الديني).

إنّ مسألة إحياء الدين الإسلامي وتجديد عناصر وأصوله وايقاظ المسلمين من سباتهم وفي مرحلة أرقى تجديد البناء الفكري وتحديثه، تشكل الهاجس الكبير الذي نراه في أعمال بعض القادة والعلماء والمصلحين والمفكرين الإسلاميين في العالم الإسلامي لغرض إيجاد حلول للتحديات الصعبة التي تواجهها المجتمعات الإسلامية التي تعيش في حالة التخلف والانحطاط الداخلي وكذلك مسألة كيفية التعامل مع الغرب ومواجهة الهجوم الثقافي والحضاري الغربي فيما يفرزه الاستعمار الغربي من تداعيات سلبية في البلدان الإسلامية، وهذا النمط من التفكير كان ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين إلى بدايات الحرب العالمية الاُولى هو الفكر الغالب والمهيمن على التيارات الفكرية السياسية للمسلمين، وقد خلّف تأثيرات كبيرة على مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية في العالم الإسلامي.

وهذا التيار ومنذ بداية ظهور الحركة الوهابية في الجزيرة العربية في القرن 18 م (القرن 12 هـ) كان معروفاً بتيار الإصلاح الديني ومع ظهور السيد جمال الدين في النصف الثاني من القرن 19م (القرن 13 هـ) قد زاد عمقاً وثراءً ووعياً في مجال التنظير والممارسة في أبعاد حياة المسلمين، وهذان الاتجاهان المتميزان لحركة الإصلاح الديني (الحركة الوهابية ونهضة السيد جمال الدين) يعتبران قاعدتين لظهور تيارين واتجاهين في داخل منظومة حركة الإصلاح الديني ولكل منهما خصوصياته ومميزاته وبالإمكان التمييز بين هذين الاتجاهين وتسميتهما بالاتجاه الأصولي والاتجاه الراديكالي في حركة الإصلاح في العالم الإسلامي المعاصر وعلى هذا الأساس فإنّ الإصلاح الديني يتجلى في تيارين: التيار الأصولي الإسلامي (مثل الحركة الوهابية) والتيار الراديكالي الإسلامي (الذي يتمثّل بنهضة السيد جمال الدين).

إنّ مفردة «إصلاح» التي يراد منها في دائرة علم الاجتماع السياسي ما يعطي معنى التحول التدريجي السطحي (رفورم) في مقابل مفردة الثورة والتغيير الجذري، لا يقصد بها هذا المعنى في هذه الدراسة بل يراد منها مفهوماً خاصّاً يستخدم في الثقافة الإسلامية والقرآنية في مقابل الافساد فهاتان الكلمتان من الكلمات المتضادة في حقل المفاهيم القرآنية وتستوعب في مضمونها الأمور الفردية والاجتماعية على السواء ونقصد بها في هذا البحث، الإصلاح في البعد الاجتماعي أي نتحدث عن الإصلاح الاجتماعي، وعلى حدّ تعبير العلامة المطهري أنّ هذا الإصلاح يعبر عن روحية إسلامية ترسم المسيرة العامة لحركة الأنبياء، وبالتالي فهي من شؤون النبوة في المفاهيم القرآنية فالعلامة المطهري يرى أن مسيرة الأنبياء هي مسيرة الإصلاح وأنّ الإنبياء مصلحون بامتياز، وحركتهم الإصلاحية مصداق بارز للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبر من أصول ومبادئ التعاليم الاجتماعية في الإسلام، وبين الأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وعملية الإصلاح علاقة العموم والخصوص المطلق في المنطق، ومن هذه الجهة فإنّ كل مسلم سواء كان مسلماً تقليداً أو ايديولوجياً يجب عليه التحرك في فضاء المجتمع من موقع الإصلاح أو يدعم مقولة الإصلاح في حركته الاجتماعية أي يطالب "بالتغيير الجذري للمجتمع نحو الأفضل". (4*) وعلى ضوء ذلك فالإصلاح يمتد بجذوره إلى عمق المفاهيم الإسلامية ويستمد مقوماته من نصوص القرآن والسنّة ويهدف إلى تطوير الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين على أساس المعايير والقيم الدينية التي تقود الإنسان والمجتمع نحو الكمال المنشود، وكنموذج لهذا المفهوم ما يقرره القرآن الكريم على لسان النبي شعيب (ع) ويقول: "إِنْ اُرِيدُ إلاَّ الإصلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ".(5*)

الاتجاه الأصولي للإصلاح يبدأ من عبد الوهاب وإلى أن يصل إلى رشيد رضا وبعد ذلك يتحرك هذا الاتجاه بعمق في مفاصل المجتمع مع أصوله ومبادئه الأولية التي تبتني على التمسك بظواهر الكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح ويرتبط بشدّة بمصاديق بارزة كابن تيمية، ويعتبر استمراراً للتيار السلفي في الماضي، ولكن هناك اتجاه آخر بدأ من السيد جمال الدين ويهدف إلى إحياء وتجديد بناء الفكر الديني، وتجديد مسيرة الفكر الديني للمسلمين بالإستمداد من العناصر العقلانية والفلسفية والاجتهادية بما يتناسب مع مقتضيات العصر الحديث وما يتناغم مع طموحات المسلمين وتطلعاتهم المستقبلية.

إن الاتجاه الثاني للإصلاح الديني يمثّل في الواقع مرحلة متقدمة ومتكاملة للحركات الإصلاحية للمسلمين في مواجهة الاستعمار والتخلف في العصر الحاضر، وخلافاً للاتجاه الأول فإنّ هذا الاتجاه يمتاز بالعمق والثراء العقلي والاجتهادي والابداع والابتكار في الوعي الديني وفي نظرته إلى العلوم الجديدة في مسألة المواجهة الحاسمة للغرب فهذه الحركة في ذات كونها تقف في مواجهة الاستعمار وآلياته فإنّها ترى لزوم الاقتباس من العلم والتقنية المتطورة للحضارة الغربية، أضف إلى ذلك أنّ هذه الحركة الإصلاحية وخلافاً لتيار المتجددين وكذلك تيار المحافظين التقليدين والأصوليين، لم تقبل بكلا الاطروحتين السابقتين (القبول المطلق بالغرب) و(الرفض المطلق للغرب) وترى ضرورة القيام بعملية تفكيك لعناصر الحضارة الجديدة والتمييز بين عناصرها الموجبة والسالبة ومعرفة نقاط الضعف والقوة فيها من خلال التعمق والتمعن في أصول وتفاصيل هذه الثقافة الجديدة ولزوم اقتباس العناصر الإيجابية والجديدة في الثقافة الغربية، وفي ذات الوقت مواجهة البعد الاستعماري فيها والتصدي لطرد العناصر السلبية في هذه الحضارة في جميع أبعادها.

إنّ روّاد هذا التيار الإصلاحي ليس فقط يملكون حسّاً دينياً ويهتمون بتهذيب العقائد الدينية للمسلمين، بل يتحركون في صدد إحياء معالم الحياة وإصلاح الرؤية الكونية للمسلمين وإعادة بناء الفكر الديني ضمن تشكيلة منسجمة ومتناسقة ومنظومة مدونّة تمتد إلى جميع الأبعاد المختلفة للفكر الديني، وبذلك يعملون على إثبات هذه الحقيقة وهي أنّ الإسلام يمثّل الحل الناجع لكافة المعضلات الفكرية والمآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المسلمون في هذا العصر وتعيشها المجتمعات البشرية المعاصرة وبإمكانه إدارة أمور المجتمع وهداية البشرية إلى مرفأ السلامة والمعنوية والكمال، إنّ هؤلاء المصلحين ومن أجل تحقيق هذا الهدف الكبير اهتموا بالمعرفة الشاملة لتعاليم الدين والكشف عن نقاط الخلل والقصور في المجتمع الإسلامي والاطلاع على المتغيرات والمستجدات المعقدة التي يمر بها العالم المعاصر وما يفرزه من مسائل جديدة ومستحدثة على أسس ومباني انتربولوجية، ومن جهة أخرى اتجهوا إلى استخدام آليات العقل والعلم والمناهج الجديدة في التفكير النقدي وتفعيل عملية الاجتهاد والابتكار والقيام بثورة فكرية في بنية الوعي الديني للمسلمين. ومن هنا يمكن القول إنّ هؤلاء المصلحين من الناحية السياسية هم أقرب إلى الراديكالية، رغم أنّ هذه المفردة حالها حال سائر المفردات الأجنبية لا تتضمن جميع الخصوصيات والمميزات لهذا التيار الإصلاحي والأفضل الاقتصار على تسميته بتيار الإحياء الديني وإعادة بناء الفكر الديني أو الإصلاح الديني، وهؤلاء المصلحون هم روّاد الفكر الديني الحديث ورموز الثورة الثقافية الإسلامية.

س: ما هي الأخطار والمشاكل التي تواجه العالم الإسلامي من وجهة نظركم في زماننا وما هي حلولها؟

ج: في هذا المجال نرى من الضروري بداية تسليط الضوء على المسائل التي يعيشها المجتمع الإسلامي ثم بيان  الحلول المناسبة فأما مشاكل المجتمع الإسلامي عبارة عن:

1 ـ نفوذ العقائد الخرافية في أذهان وأفكار المسلمين وابتعادهم عن الإسلام الأصيل.

2 ـ حالة الجهل والغفلة التي يعيشها المسلمون والتخلف عن ركب الحضارة الحديثة والعلم.

3 ـ استبداد الحكام.

4 ـ توغل الاستعمار الغربي في أجواء المجتمعات الإسلامية وفي الذهنية المتخلفة للمسلمين.

5 ـ حالة التفرق والتناحر بين المسلمين من منطلقات مذهبية وغير مذهبية.

نعتقد أن الحل لهذه المشاكل والأزمات التي تعصف بالمجتمع الإسلامي، في الأمور التالية:

1 ـ العودة إلى الإسلام الأصيل

2 ـ الاعتقاد بالدين

3 ـ الأخلاق والفضائل الفردية والاجتماعية

4 ـ انفتاح باب الاجتهاد

5 ـ اكتساب العلوم والفنون الجديدة

6 ـ التصدي للاستبداد والدكتاتورية

7 ـ مواجهة الاستعمار الخارجي

8 ـ الاتحاد والانسجام الإسلامي

العودة إلى الإسلام الأصيل

والمقصود العودة للإسلام الأصيل والابتعاد عن الخرافات والموهومات التي تراكمت على الفكر الإسلامي على طول المسار التاريخي فالعودة إلى الإسلام الأصيل نعني العودة للقرآن والسنّة المعتبرة وسيرة السلف الصالح وبتعبير واضح:

إنّ حركة الإصلاح الديني في هذا الخضم الهائل من الانحرافات الفكرية وكتمان الحقائق، تتركز بأن يقوم علماء الدين ببذل الجهد في إصلاح ذهنية العوام والخواص والكشف عن العقائد الدينية والحقائق القرآنية في النصوص الشرعية واخراج الأوهام والمفاهيم الخاطئة التي وجهت ضربة قاصمة لتقدم المسلمين من الذهنية العامة وإصلاح الخلل في مجال الثقافة الدينية والمعارف الإسلامية من قبيل أن أغلبية المسلمين من العوام والخواص، يفهمون من معنى القضاء والقدر أنّ الإنسان والمجتمع البشري لابدّ أن يلتزم السكوت والاذعان لمقتضيات الواقع (مثل قضية كورونا في زماننا) ولا يتحركوا على مستوى احراز التقدم والحركة في خط تحقيق مجدهم وعظمتهم والتخلص من قيود العبودية والأسر. وهناك بعض النصوص التي ترسخت في الذهنية المسلمة هذا المعنى وتخبر عن شيوع الفساد في آخر الزمان وأنّه لا ينبغي على المسلم أن يتحرك من أجل إصلاح هذا الفساد وسد الثغرات وإصلاح الخلل، فمثل هذه العقائد الباطلة التي ازدادت وانتشرت بين المسلمين في هذا العصر تعتبر العامل الأساس في مسيرة التخلف ولابدّ من التصدي لها واستبدالها بالأفكار والعقائد الصحيحة وتعليم الناس بالمفاهيم القرآنية والأحاديث الإسلامية كما أراده الإسلام فيما يحقق الخير والصلاح للمجتمع الإسلامي.

الهوامش

1- ابراهيم: 7

2- كنز العمال 8: 551 ح24122.

3- الأعلى: 14-15

4- النهضات الإسلامية في المائة الأخيرة، المطهري، مرتضى، ص 6 ـ 10، منشورات صدرا، طهران. النهضة الثورية في العالم الإسلامي، الجعفري، محمد مهدي، ص 32 ـ 34، شركة انتشار، 1362، طهران.

5- هود: 88

يتبع...

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
Page Generated in 1/8725 sec