رقم الخبر: 352515 تاريخ النشر: نيسان 20, 2022 الوقت: 14:19 الاقسام: مقابلات  
فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (3)
على أعتاب ليالي القدر المباركة "الشيخ مهدي النيازي" في حوار خاص مع "الوفاق"

فضيلة شهر رمضان ومعطياته على الفرد والمجتمع وذروتها الوحدة الإسلامية والسماوية (3)

حيث أن الصيام عبادة لابد من ان تشترك فيها الأمة جمعاء الذكر والأنثى، الكبير والصغير الغني والفقير، فكلهم مدعوون بنداء التكليف أن يشتركوا في أداء هذا الواجب السامي ويحققوا مجتمع الصوم العبادة، مجتمع الإيمان والتقوى.

 وإنها مصفاة النفوس ورباط المجتمعات وإنها تآلف بين الأفراد، حتى كان شهر الصيام من الأشهر التي مُنع فيها عن النزاع والمشاحنات وإثارة البغضاء والأحقاد، فهذا يبرز المدلول الاجتماعي لموسم رمضان والصلة الوثيقة بين الصوم وتنمية علاقات الإنسان المسلم والمجتمع المسلم بغيره من الأفراد والمجتمعات

وهذه الأوصاف والمواصفات المباركة التي تكون من المعطيات التجربية الروحية والبدنية للإنسان والمجتمع تقتضي بتمامها الوحدة الإسلامية بين الشعوب والامة الإسلامية حتى الأديان السماوية لأنها كانت ذروتها التي تكون لها نتائج قيمة مهمة في العالم المعاصر.

والصحوة الاسلامية ويقظة المسلمين في التاريخ المعاصر بسبب عروض  معالم الانحطاط والتخلف في المجتمعات الإسلامية من جهة والهجوم الشمولي الواسع من الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي في القرون الأخيرة من جهة أخرى يمثّلان أهم مسألتين محوريتين يعيشها المسلمون، سواءً الأشخاص الذين يتعاطون الشأن السياسي أو الشأن الفكري والديني، وقد أفرزت هاتان المسألتان ردود فعل مختلفة وتداعيات متنوعة في الوعي العام، وبالإمكان اختزال هذه الإنعكاسات والتداعيات على الواقع الإسلامي وهناك الأطروحة الفكرية والثقافية من تساؤلات وعلامات استفهام في الوعي العام وللحديث والإجابة عن هذه الأسئلة ومسائل اخرى اجرت الصحيفة بتمهيد وإقامة حوار موسع في هذا المجال مع أحد العلماء وأستاذ درس الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم المقدسة سماحة آية الله الحاج الشيخ مهدي النيازي الشاهرودي (حفظه الله).

وقد نشرت (الوفاق) القسم الثاني يوم أمس، واليوم نقدّم لكم القسم الثالث والأخير من هذا الحوار، راجين أن يكون مفيداً لأهل العلم وأصحاب النظر في هذا المجال وسائر القراء الكرام إن شاء الله تعالى، وفيما يلي القسم الأخير من نص الحوار.

الاعتقاد بالدين

لقد كان من اهم الواجب على العلماء والمبلغين ايقاظ المسلمين وغرس الإيمان في قلوبهم بهذه الحقيقة وهي أنّ الإسلام قادر على انقاذ المسلمين وتخليصهم من أسر الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي ويحقق للمسلمين العزّة والكرامة والسعادة فالمسلمون يجب أن يؤمنوا بهذه الحقيقة ومن أجل تحقيق سعادتهم لا يحتاجون لدين آخر ولا ينبغي لهم الاقتباس من التيارات الفكرية الأخرى لإصلاح شأنهم.

ومن هنا نرى أنّ علمائنا الماضين والمعاصرين يهتمون في كتاباتهم وخطاباتهم بذكر مزايا الإسلام وكشف عناصر القوّة في الفكر الديني من قبيل إعطاء الأصالة والاعتبار للعقل والبرهان والاستدلال وكذلك التأكيد على أنّ تعاليم الإسلام مبنية على أساس الكرامة الإنسانية وقابلية الإنسان للوصول إلى مستويات راقية من التعالي المعنوي والأخلاقي ومن قبيل أنّ الإسلام دين العلم ودين العمل والمبادرة والفاعلية وأنّه دين الجهاد والتصدي والمواجهة وهو دين الإصلاح ومواجهة أشكال الفساد والانحطاط في أجواء المجتمع بواسطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّه دين العزّة والكرامة، وهو دين المسؤولية والرسالة والانفتاح على القيم والمثل الإنسانية، والأهم أنهم يؤكدون على مسألة التوحيد الإسلامي بشكل خاص وأنّ الإسلام لا يقبل من الإنسان الاعتقاد بالتوحيد إلاّ على أساس التوحيد البرهاني، وأنّ مثل هذا التوحيد البرهاني والمستدل بإمكانه أن يقلع جميع العقائد الباطلة من جذورها، وكانوا يعتقدون بأنّ المجتمع الذي يبني أصول اعتقاداته على أساس البرهان واليقين لا على أساس الظن والتخمين ولا التعبد والتقليد فإنّ ذلك يكفي لحفظ هذا المجتمع من الإنزلاق في منحدر الخرافة والسقوط في وادي الأوهام، إذاً يجب دعوة الناس للاعتقاد بالتوحيد البرهاني وإعادة المكانة والمنزلة للعقل في مجمل المنظومة الدينية بحيث يضحى احترام العقل السليم واعتباره من جملة البداهات في المفاهيم الدينية.

الأخلاق والفضائل الفردية والاجتماعية

الفضائل مناط الوحدة الاجتماعية ومجموعها العدل في الأعمال وهي قوة الحياة المستكملة في كل عضو فهي فضائل وسطية عضوية حيوية وهي فضائل إجتماعية وسياسية فالأمة التي تسودها الفضائل تقوى وتنهض لأنها تكون متحدة مجتمعة يقوم كل فرد فيها بدوره وتتمثل فضائل العقل والتروي وانطلاق الفكر بين قيود الأوهام والعفة والسخاء والقناعة والدماثة والوقار والتواضع وعظم الهمة والصبر والحلم والشجاعة والإيثار والنجدة والسماحة والصدق والوفاء والأمانة وسلامة الصدر من الحقد والحسد والعفو والرفق والمروءة والحمية وحب العدالة والشفقة، فإذا تحلت أمة بها غلبت لذلك قال النبي الأكرم (ص) "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فإذا تغيرت هذه الفضائل إلى نقائضها من رذائل هلكت الأمة "وَمَا كانَ رَبُّك لِيهْلِك الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" (1*) فالرذائل تورث العداوة والبغضاء والخلاف والشقاق تقضي على الأمة وتجعل البأس بينهما شديد"وَكذَلِك أَخْذُ رَبِّك إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِي ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"  (2*) هذه علل الخراب فالفضائل والرذائل ليست فقط فردية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية بل هي أيضاً قوانين للتاريخ لنهضة الشعوب وسقوطها فحياة كل أمة بيدها يبدأ التغيير منها "إِنَّ اللّهَ لاَ يغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يغَيرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (3*) والشر من النفس "وَمَا أَصَابَكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كسَبَتْ أَيدِيكمْ"(4*)

انفتاح باب الاجتهاد

والاجتهاد عندنا طريق التمسك بالأصالة والمعاصرة في آن واحد والبعد عن تقليد محض للقدماء والمحدثين. الاجتهاد مقابل التقليد فباب الاجتهاد مفتوح ولم يغلق باب الاجتهاد لا نصاً ولا عقلاً ولا واقعاً، ونستنكر بكل قوة سد باب الاجتهاد لأنه الحل الأمثل والوحيد لمشاكل المسلمين في جميع العصور، بل إن الاجتهاد عند الخلف أكثر منه عند السلف فما أقل المجتهدين في السلف وما أكثرهم في الخلف، والاجتهاد مذكور بنص القرآن الكريم "وَلْتَكن مِّنكمْ أُمَّةٌ يدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَنِ الْمُنكر وَاُولئِك هُمُ الُمفلِحُونَ" (5*)، "فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِينذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يحْذَرُونَ" (6*) وكذلك نصوص شرعية اخرى منها ما ورد من الأئمة: ان علينا القاء الاصول وعليكم بالتفريع و... لقد كان أضر جمود بعض المستعلمين بالإسلام والمسلمين وقد كان أنفعهم التعقل والتروي وانطلاق الفكر من الأوهام.

اكتساب العلوم والفنون الجديدة

نحن نعتقد باصالة الأمة ودورها في العلم والحضارة من أجل مساعدتها على نبذ التقليد ودعوتها إلى التعرف على أسباب إبداع القدماء وحتى يقضى على الإحساس بالدونية تجاه الآخرين وتأكيد عزة النفس والكرامة والقضاء على ثنائية المبدع والناقل التي ميزت علاقتنا بالغرب الحديث، هو يبدع ونحن ننقل حتى تحول الغرب في وعينا إلى معلّم أبدى وجعلنا أنفسنا تلميذاً أبدياً، مع أنها دوارت بين الشعوب والحضارات كنا معلمين فأصبحنا تلاميذ وكان الغرب تلميذاً فأصبح معلماً "وَتِلْك الأيامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ" (7*)  ومن لا تاريخ له لا مستقبل له ومن لا ماضي له لا حاضر له وهو أكبر رد عملي على تهمة تخلف المسلمين بسبب دينهم، فبهذا الدين أصبح القدماء روّاداً للعلم تأكيداً على وحدة الوحي والعقل والطبيعة وقدرة الوحي على التوجه بالعقل نحو العلوم الرياضية والطبيعية.

لقد كان السيد القائد المعظم الخامنئي (حفظه الله) يحث المسلمين على اكتساب العلوم الحديثة ولا يزال يؤكد في كتاباته وخطاباته وبياناته على هذه النقطة الهامّة وهي أنّ المسلمين يجب عليهم ان يتوجهوا نحو اكتساب العلوم الحديثة كالفيزياء والكيمياء والطبيعيات والهندسة والتكنولوجية، وان يساهموا في عملية الاختراع وتنمية الصناعات التي تحتاجها الاُمّة في العصر الراهن وما يلزمهم للدفاع عن أرضهم من قبيل صناعة الأجهزة الحربية واكتساب الفنون العسكرية، لأنه لا قوة مع الجهل ولا ضعف مع العلم، وقد كان يوصي ويصر بأنّ المسلمين يجب عليهم تعلم واكتساب هذه العلوم والفنون من أجل خدمة الإنسان والإسلام ولغرض تقدم وتحقيق الاستقلال والتخلص من قيود التبعية والاستعمار.

التصدي للاستبداد والدكتاتورية

نعتقد تماماً على النتائج السلبية والأضرار الجسيمة الناشئة من الاستبداد السياسي في فكر وروح الاُمّة في ثقافتها والافرازات والتداعيات السيئة لهذه الظاهرة في مجال اهدار الثروات المادية والمعنوية للبلاد الإسلامية وفي هذا المجال نقول:

إنّ الحاكم المستبد يدفع بسلوكياته الشائنة الاُمّة إلى وادي السقوط، ويغطي على بصيرتها بستار الجهل ويقودها إلى الأزمات وحالات الفقر والمجاعة، بعد خروجه عن جادة العدل والقسط ويفتح أمامها أبواباً جديدة من الظلم والجور وسحق الحقوق، حيث تتسلط قوى الشر والظلام وتدفع الاُمّة إلى اليأس، ويفتح المجال أمام الدول الاستعمارية لإستغلال هذه الحالة لتثبيت سيطرتها على مقدرات الاُمّة والإمعان في نهب خيراتها.

ولذلك يجب على هذه الشعوب أن تبادر إلى قطع يد هذا الشخص المستبد والتصدي للنظم المستبدة، ولكن من يقوم بمهمّة المواجهة وعملية التصدي للحاكم المستبد؟ إنّ هذه المسؤولية تقع على عاتق الشعب، ولكن كيف يستطيع أفراد الشعب مواجهة السلطة والدخول إلى معترك الصراع السياسي؟ هل هناك طريق غير توعية الناس وتعليم أفراد الشعب بحقوقهم الضايعة؟ لا شك أنّ هذا العمل لازم ولكنّه غير كاف في مقام التصدي والنهوض بالاُمّة، إذن ماذا نصنع؟

إنّ العمل الأساس هو أن يملك الناس الإيمان بأنّ المواجهة السياسية تعتبر وظيفة شرعية ودينية، وفقط في هذه الحالة تستطيع الاُمّة تحقيق أهدافها والتحرك في خط المقاومة  والنهضة، إنّ الناس يعيشون في غفلة عن أنّ الإسلام يرى أنّ السياسة لا تنفصل عن الدين ولا الدين عن السياسة، بل هناك تلازم وثيق وعلاقة أكيدة بين الدين والسياسة، وهذا ما ينبغي إفهامه للناس من جانب العلماء والمفكرين المحترمين في الحوزات والجامعات الاسلامية.

مواجهة الاستعمار الخارجي

الخطر الأول على الأمة، الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل ومحاولة توحيد الدول الإسلامية بل ما يسمى بالشرقية في مواجهة القوى الغربية.

إنّ التصدي للاستعمار الخارجي، سواء الاستعمار السياسي الذي يتدخل في المسائل السياسية للبلدان الإسلامية أو الاستعمار  الاقتصادي الذي يؤدي إلى احتكار امتيازات اقتصادية ظالمة وما يستتبعه من استيلاء على المقدّرات المالية والثروات الاقتصادية لشعوب العالم أو ما يتجلى بالاستعمار الثقافي  الذي ينطوي على عملية تخريب البنى التحتية للثقافة الإسلامية وتشويه الفكر الديني وإبعاد المسلمين عن ثقافتهم الغنية والإيحاء بأنّ الثقافة الغربية هي الثقافة الإنسانية الأصيلة والتي بإمكانها تحقيق السعادة المنشودة للمجتمع البشري، إلى درجة أنّ بعض المثقفين المسلمين مع الأسف يعتقدون أنّ المجتمعات الشرقية إذا أرادت التمدن والتحضر فيجب عليهم الانخراط بالثقافة الغربية من الرأس إلى القدم، بأن تكون كتابته باللاتينية ولغته غربية ولباسه لباس غربي وآدابه وتشريفاته وعقائده وفلسفته وأخلاقه ورؤيته للعالم والإنسان كلها على النمط الغربي.

الاتحاد والانسجام الإسلامي

الأمة الواحدة ترتبط فيما بينها برابطة الدين لا الجنس، بعصبة الاخوة وليس بعصبة العرق والتعصب من العصبية نسبة إلى العصبة والقوم والعصبة بهذا المعنى أساس الترابط بين الشعوب واتحاد الكلمة، روح كلى يربط بين الأفراد، يحميه من الأجنبي ويرفع الرؤوس وهي سنة الله في خلقه إذا ضعفت العصبية فشلوا وغفل بعضهم عن بعض وتقطعت الأواصر فيدخل الأجانب والتعصب لـه حد الاعتدال والتفريط، اعتداله كمال وتفريطه نقص، الكمال وحدة ترابط، والنقص الدفاع عن النفس عن حق أو باطل.

أما الوحدة الإسلامية فإنها تقوم على الاخوة الدينية "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ" (8*) "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكمْ" (9*)  قوة المسلمين في دينهم وإيمانهم وينعكس على وحدة الأمة وتطالب الشريعة بالوحدة والإرتباط وتظهر العقيدة والتوحيد في حياة الجماعة اجعلوا عصبيتكم سبيلاً لتوحيد كلمتكم واجتماع شملكم وأخذ كل منكم بيد أخيه ليرفعه من هوة النقص إلى ذروة الكمال.

وهو الممقوت في الشرع كما ذكر القرآن الكريم "إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكمْ" (10*)  وأيضاً على لسان الرسول الأعظم (ص) "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية"

أمّا التعصب الإيجابي نعرة على الجنس والنسب والاجتماع في منبت واحد والترابط بين النوع  وهو الذي يترابط بين العربي والفارسي والتركي والهندي والمغربي و... الأصل عون والعرق جساس والتعصب المرذول هو الذي قاد الغرب إلى اندفاعه نحو بلاد المشرق لمحض الفتك والإبادة لا للفتح أو الدعوة إلى الدين كما هو الحال في الحروب الصليبية وكما فعل الأسبان في طرد المسلمين من الاندلس وحرق المسيحيين اليهود في القدس، بل انّ هذا الأمر من الحاجات الضرورية حتى بالنسبة إلى الأديان وهو أن الدين واحد بالرغم من تعدده والأديان متفقة في الهدف والقصد والغاية هناك ثلاث ديانات كبرى: اليهودية والنصرانية والإسلام وكتبها السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن، القصد منها واحد، ارشاد الخلق إلى الحق وتوجيههم إلى الطريق المستقيم في العبادات والمعاملات وبيان مشيئة الله في خلقه وصون مصالح العباد وهو قصد واحد ومشيئة واحدة والكتب السماوية كلها تهدف إلى غاية واحدة، عبادة الله واحدة والمعاد واحد، انانية الإنسان وحبه الذاتي ورغبته في البقاء بعد الموت ولا يوجد في الأديان الثلاثة ما يخالف نفع مجموع البشر الكل يعمل للخير المطلق ودفع الشر وجلب المنافع ودفع المضار الأديان الثلاثة، الموسوية والعيسوية والمحمدية متفقة في المبدأ والغاية وكل منها يكمل الآخر في الخير المطلق وإذا قدم العهد ونشأ الطغيان أو سادت الكهانة ظهر نبي لاكمال الناقص فوحدة الأديان طريق البشرية إلى السلام، القصد واحد وهو التحرر كمال العقل الإنساني واستقلال الإرادة البشرية فإذا ضعفت الإنسانية عبر التاريخ وضعت في الخرافة والجهل أو رضت بالطغيان يظهر نبي يذكر بالقصد والغاية فالوحي مربي الإنسانية.

س: ما هو التعريف من الوحدة والاساليب المقترحة منها وضرورة تحقيقها؟

ج: المقصود من ضرورة تحقيق الاتحاد الإسلامي ليس اتحاد المذاهب الإسلامية الذي يعدّ أمراً بعيداً عن الواقع وغير عملي بل اتحاد المسلمين في صف واحد في المجال السياسي والجبهوي أي تشكيل صف واحد في مقابل العدو الغاشم وان نواجه في كل خطوة نخطوها في سبيل المجتمع الإسلامي، التدخلات الاجنبية وما يثيره المستعمرون من معيقات للعمل وان نركز على مواجهة الاستعمار الغربي ولا نجعلها محور نشاطاتنا واهتماماتنا ومن أجل تحقيق هذا الغرض نرى ضرورة تعبئة جميع الطاقات وتوحيد جميع القوى الإسلامية من أجل هذا الهدف.

س: لّما كان القرآن الكريم نقطة اشتراك المسلمين، كيف يمكن أن يوفر القرآن الحل والدواء للآلام ومشاكل المسلمين في عصرنا الحالي؟

ج: نحن نعتقد اتحاد المسلمين وانسجامهم فريضة دينية أكثر منها ضرورة سياسية لحفظ كيان المسلمين واعتبارهم فيما يستوحيه من التعاليم والمفاهيم القرآنية الحاسمة.

اعظم بسفر قد أتى كافلاً  ‍
اذ كلّ من يعمل فيها غدا  ‍
وكلّ من يهجرها عامداً  ‍
فاعمل بما فيه تكن فائزا  ‍
 

  للخير في آياته السامية
  منعما في عيشة راضية
  لا شك يمسي وهو في الهاوية
  في هذه الدنيا وفي الآتية
 

 

علينا بذكر الله الأعظم وبرهانه الأقوم، فإنه نوره المشرق الذي به يخرج من ظلمات الهواجس وبه يتخلص من عتمة الوساوس وهو مصباح النجاة من اهتدى به نجى ومن تخلف عنه هلك ...

إنّ هذا القرآن الكريم هو الصراط المستقيم وحبل الله المتين الذي يقود الإنسان إلى الإيمان والرسالة والانفتاح على الله عزّ وجلّ، لأنّه يمثّل نور الله الذي أشرق في أجواء العالم بواسطته يستطيع الإنسان الخروج من أجواء الظلمة والانحراف والتخلص من عناصر الغفلة والجهل والوصول إلى ساحل النجاة وأجواء النور.

وكل من يسلك في خط القرآن يهتدي إلى سواء السبيل ومن ينحرف عنه ويزيغ عن طريقه فسوف يظلّ ويهوي إلى متاهات الضلالة وعليكم بالتمسك بالجواهر الثمينة والمتناثرة لصاحب الرسالة والاستلهام منها وعليكم بالفوز بما انتشر من لآلي مقامات صاحبه عليه الصلاة والسلام كقوله صلوات الله على قائله: "إذا أراد الله بقوم سوء قل منهم العمل وكثر فيهم الجدل".

فلذلك يجب على المسلمين أن يوحدوا قلوبهم وأفكارهم وخطابهم ويقفوا جبهة واحدة ضد أعداء الدين.

س: سماحة الأستاذ في الختام ما هي الطموحات والأهداف بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي برأي سماحتكم؟

ج: كان من وظيفتنا في الزمان الحاضر الذي نعيش فيه ان ندعوا إلى الطموح والأمل وطلب المجد ونيل الأعالي وعدم الاكتفاء بالسفوح وعدم الرضى إلا بقمم الجبال ضد روح اليأس والاحباط والتشاؤم التي سيطرت على الناس وهذا هو معنى أداء الرسالة التي اشفقت منها السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان وان نركز على ارتباط العمل بالنظر وأن النظر بلا عمل طبل أجوف.

وقد يبرز ارتباط العلم بالعمل بطرق عديدة يبدأ العمل بالمبادرة فالعاقل من اعتقد بعجزه ثم سعى إلى العمل والاعتماد على النفس والتوكل من أقوى عوامل الظفر ومن فتح لـه الباب ولم يدخل كان أولى بالطرد والعمل لا يعنى فقط الجهد النظري ولكنه يضم أيضاً العمل اليدوي فأصغر صناعة لنحات أنفع من تقعر النحاة وحمال الحطب للإتجار أنفع من حمار الذهب للادخار ولا تنفع الحكمة ان لم يشفعها عمل فطلاب الحكمة كثيرون ولكن ما أقل العاملين ولا ينفع القول إن لم يتبعه عمل فالقائد من قاد بأفعاله لا بأوامره وأقواله والأمير بأفعاله خير من الأمير بأمواله وألف قول لا يساوي في الميزان عملاً واحداً والعمل تحقيق لأمل فالأمة أرضها الأمل وبنيانها العمل والاستقلال أمل يتبعه عمل وحمل النفس على المكاره واقتحام المهالك والمصاعب، والحرية تؤخذ ولا تعطى والاستقلال لا ينال بالأقوال وإذا لم تتذرع الأمة بشكواها من ظالمها بغير الكلام فاحكم عليها بأنها أقل من الأنعام والعمل هو الطريق إلى جنة النعيم حاضراً أو مستقبلاً فالنعيم والجحيم يتجليان للإنسان في صور أعمال فيتنعم بالحسن منها ويتألم من القبيح وقلّما يأتي الحق بدون عناء فالعمل جهد ومشقة لذلك كان الأنبياء من كبار العاملين فمحمد (ص) نبي مرسل وكان قبل النبوة أميناً صادقاً لم يقتنع بأسود بيته حمزة والإمام علي (ع) وأبطال قريش والأنصار بل شاركهم في الحرب وتكسرت ثناياه وتخضب وجهه بالدم انتصاراً للحق ومقاومة الباطل كان معلماً بنفسه لغيره بقوله وعمله وقد كان الرسول الاعظم (ص) قدوة صائحاً في المسلمين "أين المسلمون اليوم من هذا الإقدام وتلك الهمة؟".

وختاماً يمكن القول أنّ الهدف الإصلاحي ومدينة الفاضلة تتلخص في إيجاد المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه الوحدة والتكافل في جميع أبعاده وجوانبه والقضاء على الخلافات القومية، اللغوية، العرقية، الإقليمية، الاثنية وتكريس الاخوة الإسلامية والوحدة المعنوية والثقافية والايديولوجية في فضاء المجتمع الإسلامي فيجب على الشعوب الإسلامية أن تعيش الوعي بأمور العصر والزمان والمعرفة بالفنون الحديثة والتقنية العلمية والتحرر من جميع أشكال الاستعمار والاستبداد، عليهم اقتباس الحضارة الغربية بالروح الإسلامية لا بالروح الغربية، والإسلام الحاكم هو الإسلام في العصر الأول بدون هوامش وبدون كل هذه التراكمات التي اُضيفت إلى تعاليمه الحقة ومفاهيمه الناصعة والرسوبات التي تراكمت على جوهر الإسلام على امتداد تاريخه وأن تعود روح الجهاد والحركة والفاعلية للمسلمين ولا يقبلوا بالظلم والاستبداد ولا يخضعوا لقوى الانحراف ويعيشوا بالعزّة والكرامة والسّلم والسّلامة.

س: سماحة الأستاذ شكراً  جزيلاً عن مشاركتكم في هذا الحوار القيم ونتمنّى لكم الموفقية.

وأنا أيضاً اشكركم على تمهيد هذا الحوار ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لخدمة الدين الحنيف والشريعة الغرّاء والثورة الإسلامية إن شاء الله تعالى.

الهوامش

1- هود: 117

2- هود: 102

3- الرعد: 11

4- الشورى: 30

5- آل عمران: 104

6- توبة: 122

7- آل عمران: 140

8- آل عمران: 103

9- الأنفال: 46

10- الحجرات: 13

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
Page Generated in 0/8201 sec