رقم الخبر: 352995 تاريخ النشر: نيسان 29, 2022 الوقت: 15:44 الاقسام: مقالات و آراء  
الدور الاستعماري البريطاني المستدام
ما خفي من مؤتمر بنرمان 1907

الدور الاستعماري البريطاني المستدام

ليس صدفة او من باب الحرص على تقدم دول العالم بل العكس، هذا ما أرادته سياسيات دول الاستعمار القديم عبر ما وضعته وأعدته من خطط سرية للهيمنة على العالم عموما والوطن العربي خصوصاً، وهذا السلوك الاستعماري مستمر حتى يومنا.

 وإنما بأساليب جديدة تعتمدها دول الاستعمار الجديد القديم مع تغيير في بعض تفاصيل اللغة الدبلوماسية ومعه إستخدام منطق العصا والجزرة، على طريقة دس السم في العسل الذي تقوم عليها سياسات الغرب ودول الاستعمار الجديد القديم الذي يمثله حلف الناتو، من واشنطن الى بريطانيا ودول عديدة هي اليوم ضمن هذا الحلف الذي يخوض حربا ضروس ضد روسيا لمنع تشكيل عالم جديد مختلف كليا عما سابق وعنوانه كان هيمنة الولايات المتحدة القوة الاكبر بين تحالف الناتو وعشرات الدول، التي تتحرك بالريموت الاميركي للحصول على فتات ما يريده لهم " العم سام "، وقبل ذلك خاض حروبا في عشرات دول العالم لمنع إمتلاك هذه الدول لقرارها السيادي، كما يحصل منذ 30 سنة من حصار ضد إيران وكما حصل من غزوات وحروب إرهابية شنتها واشنطن وحلفائها الغربيين ضد العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان وتونس، ويحاولونه ايضا بأساليب تآمرية بحق الجزائر، لانها ترفض ان تكون تابعة لهذا الحلف الشيطاني، أما في فلسطين فحدث ولا حرج، التي تخضع لإحتلال هو الاطول في تاريخ البشرية، حيث ارتكبت عشرات المجازر وتهجير عشرات المدن والقرى ولا زال كل ذلك مستمرا، فيما أدعياء الحريات المزعومة في دول الاستعمار الجديد يقدمون الدعم غير المحدود لكل ما يرتكبه العدو الصهيوني من جرائم وتهجير وإقتطاع اراض لابناء فلسطين وإقامة عشرات المستوطنات، وكل ذلك بتواطؤ وتغطية ودعم من دول الاستعمار الجديد القديم، ويحدثونك عن الحرية المزعومة وعن حقوق الانسان .

وما حاصل اليوم ليس بجديد فالتاريخ يعيد نفسه في معظم أرجاء العالم، وما كشف عنه من وثيقة تعود الى أكثر من 115 سنة، إستهدفت تفتيت الوطن العربي آنذاك بما يمكن دول الاستعمار في حينه بالهيمنة على المنطقة العربية ونهب ثرواتها، وللاسف نجحوا في حينه بمعظم ما أعدوه في وثائقهم السوداء، ففي 7  تشرين الاول عام 1905 إنعقد في لندن مؤتمرا لتقاسم الدول العربية واستمر حتى 15 نيسان 1907، وحرص الحضور في المؤتمر على توزيع سرقة الثروات العربية، وضم المؤتمر في حينه دولا إستعمارية هي:  بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وإستمر الاخذ والرد في المؤتمر حتى عام 1907 وبعد نقاشات طويلة خرج الحضور في المؤتمر  بوثيقة سرية أسموها "وثيقة كامبل " نسبة إلى الرئيس البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان.

مضمون هذه الوثيقة تعتبر  إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للإستعمار كونه  يمثل نقطة حيوية تربط الشرق مع الغرب، كما أنه يمثل الممر الطبيعي بين القارتين الإفريقية والآسيوية .

وقد افرج عن المقررات السرية للمؤتمر بعد سنوات طويلة ومن المفيد لكل مهتم بما إرتكبه الاستعمار من توحش ونهب لثروات امتنا العربية، التذكير ببعض التوصيات والعناوين الاساسية التي إنتهى إليها المؤتمر، كونها تعبر تعبيرا واضحا ووقحا عن سياسات الغرب الاستعماري بحق المنطقة العربية وبحق كل ما يسمى العالم الثالث :

1- من المهم ان لايكون هناك ترابطا قوميا بين العرب، بحيث تبقى شعوب هذه المنطقة مفككة حتى يمكن الهيمنة عليها وقرارات حكامها، بما يتيح إبقاء هذه المنطقة غير قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها، وأن يبقى الغرب يقرر كل ما يريد في المنطقة العربية .

وحتى يكتمل مخطط الدول الاستعمارية بكيفية تحديد سياساتهم الاستعمارية تجاه كل دول العالم الاخرى، جرى وضع أطر وآليات مختلفة ومتباينة في السياسات والاطر الاستعمارية بين دول الارض بحسب العرق والدين، ولذلك قاموا بتقسيم باقي دول العالم إلى ثلاث فئات مختلفة  لكل فئة منها تعريفها المختلف عن الفئتين الاخريين، فيما وضعت الدول العربية في خانة الدول المتخلفة، ووجوب توزيعها بين الدول الاستعمارية  كما هي الحال مقررات المؤتمر عن المنطقة العربية ( اوردنا طبيعة السياسة الاستعمارية ضد الشعوب العربية… كما خرج به المؤتمر، اما باقي دول العالم فجرى تقسيمها الى ثلاث فئات   :

- الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية - المسيحية (أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا).

- الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية( كدول أميركا الجنوبية واليابان وكوريا)، لكن اعتبروا ان لا تصادم بين دول الاستعمار وهذه الدول، لاعتبارات سياسية وعرقية ودينية .

- الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن ما يعتبرونه الحضارة الغربية المسيحية ولا  يوجد تصادم فيما بينها…، حيث ان هناك قيم عرقية ودين واحد تجمع بين هذه الدول .

وعليه، إنتهى المؤتمر في ضوء هذا التقسيم العرقي للعالم بين دول متحضرة واخرى متخلفة الى فكرة  إقامة دولة تحل مكان الدولة الفلسطينية وبما يؤدي لتهجير شعب بكامله من ارضه في فلسطين، فكانت الخطوة العملية لاقامة دويلة كيان العدو الاسرائيلي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن منذ مؤتمر عام 1907، بدأ المخطط الاستعماري لتهجير الشعب الفلسطيني وإنشاء تنظيمات يهودية متعصبة مثل "الهاغانا " وغيرها بما يؤدي الى ترهيب الشعب الفلسطيني والتنكيل به على مرأى ومسمع من الاستعمار البريطاني لفلسطين بعد الحرب العالمية الاولى حتى إنتهاء الحرب العالمية الثانية، ووضع وعد بلفور موضع التطبيق، وكان الهدف من وراء فكرة قيام دولة صهيونية في مؤتمر عام 1907 ان يشكل كيان العدو قطعا للتواصل بين العرب في أفريقيا وآسيا، مما سيحول دون تحقيق أي توجه للوحدة  بين الدول والشعوب العربية،  وكذلك فصل عرب آسيا عن إفريقيا بالكامل، اي ان لا يقتصر هذا الفصل على وضع الحواجز على الارض عبر إنشاء دولة الاحتلال وإنما أيضا الفصل بين عرب آسيا وإفريقيا  إقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وكان لذلك نتائجه المدمرة  على العرب بعد تحولهم الى كيانات متعارضة واحيانا متحاربة مما أدى إلى الحد من تقدم العرب منذ إنعقاد المؤتمر حتى الان.

 والجدير ذكره انه جرى اتباع مؤتمر كامبل بمؤتمر آخر عام 1917 شاركت فيه بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال، وسط مشاركة فلاسفة ومشاهير المؤرخين وعلماء الإستشراق ويمكن إيراد أسماء بعض المشاركين:

البروفيسور جيمس : مؤلف كتاب " زوال الإمبراطورية الرومانية " البروفيسور لوي مادلين : مؤلف كتاب "نشوء وزوال إمبراطورية نابليون "

الأساتذة: لستر وسميث وترتخ وهروف.

هذا وافتتح " كامبل " المؤتمر بكلمة مطولة جاء فيها :

"إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى ثم تستقر إلى حد ما ثم تنحل رويدا ثم تزول، فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الإستعمار الأوروبي ؟ وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا .

فالتقرير إلاستيراتيجي بكل معنى الكلمة بعد ان مضى عليه ما يزيد عن قرن كامل على إصداره، كان مدار بحث ونقاش وتقييم بين بعض الباحثين، فالأستاذ محمد حسنين هيكل - المعروف بدقة مصادره - أورد في كتابه المفاوضات السرية وإسرائيل، التوصية النهائية للتقرير : وصية بنرمان، كما ان الباحث المحامي أنطون سليم كنعان أشار إلى التقرير في محاضرة له بعنوان فلسطين والقانون، وقد نشر إتحاد المحامين العرب ضمن. منشوراته التي غطت أنشطة مؤتمره الثالث ……..

كما أشار إلى التقرير الدكتور مسعود الظاهر،   والدكتور جاسم سلطان في كتابه إدارة فلسفة التاريخ .

وبناء على ما إنتهى اليه المؤتمر بعد ان وصفه النظام الغربي بأنه نظام قيمي، بمعنى انه متقدم في الحضارة والعلم عن الدول العربية، ولذلك إقترح المؤتمر وثيقة تضمنت ثلاثة إجراءات هي :

أولا: حرمان دولة المساحة الخضراء، اي الدول العربية، من المعرفة والتقنية وكل ما يؤدي الى تقدمها وتقدم شعوبها .

ثانيا: إيجاد مشاكل حدودية بين هذه الدول حتى تبقى دول متناحرة.

ثالثا: تكوين وتشجيع الأقليات في المنطقة لأن من شأن ذلك إشغالها بمصالح هذه الاقليات الضيقة وحتى يمكن إستعمارها دون مشاكل ودون قيام شخصيات او جمعيات او أحزاب عندها رغبة وسعي للاستقلال.

وحتى لا نعود الى تاريخ بني صهيون عبر التاريخ وما تحمله عقيدتهم من اوهام وخرافات حول جذورهم، نتوقف عند الاهم في تاريخنا الحديث والاخطر فيه ما جاء بوعد بلفور بعد مؤتمر سايكس بيكو، وعنوانه إنشاء دويلة لكيان العدو مكان الدولة الفلسطينية وحقوقها التاريخية بأرض فلسطين، وبالتالي تجميع اليهود من شتى انحاء العالم للاستيطان داخل دولة فلسطين مقابل تهجير شعبها الاصليين .

 وبموازاة هذا المشروع التآمري للدول الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا، جرى الاتفاق بين الغرب الاستعماري على عدم السماح للعرب بأي توجه نحو الاستقلال ونحو التوحد لمنع إنشاء دولة الاحتلال، وبالتالي فقد نقض البريطانيون والغرب الاتفاق المبرم مابين الشريف حسين ومكماهون القاضي (بريطاني) بعدم إبرام أي صلح إلا إذا كان ضمن شروط الشريف حسين : تحقيق حرية الشعوب وخلاصها.

الا ان الاستعمار الغربي ذهب أبعد من نقض الاتفاقية بحيث إعتبر كل أرض عربية هي ارض عدوة  تسري  عليها اتفاقيات توزيع الغنائم مما تقرر في اتفاقية سايكس بيكو،  واستتبع ذلك بما حصل من نقاشات  خلال مؤتمر فرساي مابين أول كانون الثاني إلى 28 حزيران من عام 1919 على اختيار نظرية أو قاعدة تقام عليها أسس الهيمنة والسيطرة الغربية على العالم، وكانت تسميات الشرعية الدولية والقانون الدولي، وفي اختيار الوسائل الكفيلة باستمرار سيطرة الغرب على العالم وفقا ً لوثيقة كامبل، اختيرت الوسيلة والاسم للاستعمار الجديد فأطلقوا عليه اسم الانتداب.

وقد نصت المادة 22 من الميثاق على أنواعه وطريقة تطبيقه وأهدافه التي صنفت طبقا ً للنظرية الداروينية في تسلسل الشعوب وقد كان مصير  العرب بأن جرى إبقائهم  وديعة مرهونة للابتزاز في عنق الحضارة الغربية، فالشعوب الأوروبية كاليونان مثلا ً أعطيت الاستقلال، بينما الشعوب العربية وضعت تحت الانتداب أما الشعوب الإفريقية فقد أبقيت مصفدة بالسلاسل وتحت الاستعمار.

ولم يتوقف الاستعار الغربي بعد الحرب العالمية الثانية وحصول الدول العربية بالتتابع على إسقلال شكلي، بل انتقل هذا الاستعمار الى اشكال وانماط جديدة مع المستعمر الاميركي (بعبارات منمقة)، فإعتمدت سياسة واشنطن على إبقاء الدول والمشايخ دول متناحرة وبالتالي وضعت الادارات الاميركية المتعاقبة في اولوياتها منع ومحاربة اي سعي او محاولة لقيام اتحاد بين الشعوب العربية او حتى بين دولتين، وبالتالي محاربة اي  نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإنما فعلت عكس ذلك فإستخدمت كل الوسائل غير القانونية بما في ذلك حماية بعض الانظمة المرتونية وصولا لاستنباط كل الوسائل العملية الاجرامية والفتن لفصل الشعوب العربية عن بعضها وحتى داخل دولها.

  

بقلم: خديجة البزال  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/2252 sec