رقم الخبر: 353744 تاريخ النشر: أيار 14, 2022 الوقت: 16:44 الاقسام: مقالات و آراء  
عام على "سيف القدس".. تحول استراتيجي في إدارة الصراع

عام على "سيف القدس".. تحول استراتيجي في إدارة الصراع

"سيف القدس" معركة بطولية استثنائية انسحبت نتائجها الفريدة والنوعية على طبيعة الصراع الفلسطيني الصهيوني، وهي، بالمناسبة، معركة لم تنته بعد، وما زالت مفتوحة وبشكل أوسع.

ملامح الصراع مع "الكيان المؤقت" بعد عام من المعركة باتت واضحة، إذ أيقنت قيادة الاحتلال بأنها لم تعد قادرة على خوض مغامرة جديدة.

هذا العام تحل الذكرى الأولى لمعركة "سيف القدس" التي سجلت المقاومة الفلسطينية فيها أعظم تجليات المرحلة، وعبرت فيها عن وحدة الموقف الفلسطيني سياسياً وعسكرياً، بعد أن امتلكت ساعة الصفر لأول مرة في تاريخ الصراع مع "الكيان المؤقت"، وسجلت أنها صاحبة الكلمة العليا، ورسخت معادلات جديدة كسرت فيها هيبة "الكيان المؤقت"، وهشمت صورته، وتآكلت قوة الردع للكيان المؤقت بصورة غير معهودة، وفرضت معادلة ردع عنوانها القدس محور الصراع وصاعق التفجير في المنطقة.

ملامح الصراع مع "الكيان المؤقت" بعد عام من وقوع معركة "سيف القدس" باتت واضحة، إذ أيقنت قيادة الاحتلال بأنها لم تعد قادرة على خوض مغامرة جديدة بفاتورتها العالية، وأدركت أنه لم يعد بإمكانها تحقيق أي نصر أمام المقاومة الفلسطينية، أو حتى القدرة على استعادة هيبة الردع للكيان المؤقت أو تحقيق أي من أهدافه.

في مفهوم النصر، كما سجله أبرز مفكري الاستراتيجيا العسكرية والسياسية، هناك توجّه فلسفي يربط مفهوم النصر بمدى تحقيق الأهداف المنشودة من الحرب أو المواجهة، إذ يرى كلاوزفيتس أن النصر في الحروب الكلاسيكية التي تُخاض من خلال جيش مقابل جيش، يتجسد في تحقيق 3 أهداف: الأول، احتلال أرض العدو، الثاني، تدمير جيش العدو كي لا يستطيع القتال، الثالث، كسر إرادة العدو القتالية حتى يتحقق خضوعه.

أما هنري كيسنجر، فيرى أن أسس النصر في الحروب غير التناظرية، أي جيش مقابل مجموعات فدائية، تتمثل بخوض الجيش النظامي حرب عصابات وإلحاق الهزيمة بالمجموعات الفدائية وسحقها وكسر إرادتها على الاستمرار في القتال. 

في عملية جرد حساب لطبيعة علاقة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة مع "الكيان المؤقت" بعد مرور عام على اندلاع معركة "سيف القدس"، لا بد من التوقف أمام مجموعة من الخلاصات المهمة، أبرزها: 

- "سيف القدس" معركة بطولية استثنائية انسحبت نتائجها الفريدة والنوعية على طبيعة الصراع الفلسطيني الصهيوني، وهي، بالمناسبة، معركة لم تنته بعد، وما زالت مفتوحة وبشكل أوسع.

استطاعت المقاومة تثبيت نتائجها هذا العام من دون إطلاق رصاصة واحدة، ومن إنجازاتها أنها نجحت في منع قيام المستوطنين من إحياء طقوس "ذبح القرابين" في باحات الأقصى وفض مسيرة الأعلام مرة أخرى، وحرص "الكيان المؤقت" على عدم الوصول إلى مواجهة عسكرية جديدة مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

- خشية الكيان الصهيوني ومخاوف كبيرة من تكرار سيناريو معركة "سيف القدس"، إذ ما زالت ذكراها وتداعياتها على المشهد ترعب "الكيان المؤقت" وقيادته ومجتمعه، بعد أن هيأ "الكيان المؤقت" وروج في الذهن العربي أنه قوة لا تقهر في المنطقة.

- تفشي الأزمة الوجودية في المجتمع الصهيوني بشكل غير مسبوق. وقد اتضحت نتائج هذا التفشي عبر الهجرة المعاكسة التي خلفتها معركة "سيف القدس" بشكل مباشر، إذ بين الاستطلاع الأخير الذي نشرته صحيفة "الكيان المؤقت هيوم" أن نحو 69% من الصهيونيين أصبحوا قلقين على مستقبلهم نتيجة اشتداد الصراع مع الفلسطينيين.

- تآكل قوة الردع الصهيونية وتضاؤلها بشكل كبير، إذ أصبحت المقاومة هي من يثبت معادلة الردع ويحدد ما سيكون وما لا يكون ومتى وكيف، وبات "الكيان المؤقت" يتراجع في أكثر من مرحلة في مدينة القدس، ولم يعد قادر على إثبات أنه المسيطر على المسجد الأقصى.

- أصبحت حكومة الاحتلال الصهيوني بزعامة بينيت تعيش أزمة ومأزقاً عميقين نتيجة معادلتين ترسختا:

- الأولى، نجاح المقاومة في تحقيق أهدافها قبل عام من الآن، وإفشال الأهداف الصهيونية وتكبيلها وجعل "الكيان المؤقت" غير قادر على الذهاب لأي حرب يمكن أن يحقق فيها انتصاراً.

- الثانية، أصبحت حكومة الاحتلال أسيرة الجماعات الصهيونية الدينية المتطرفة التي تضغط بهدف تحقيق رغباتها ومخططاتها في المسجد الأقصى، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني فيه، في ظل حكومة الكيان المؤقت هشة قابلة للانهيار في أي لحظة.

- أوصلت معركة "سيف القدس" "الكيان المؤقت" إلى مرحلة الخطر الذي يتهدد مستقبله بعد 74 عاماً من احتلال فلسطين، بفقدانه الشعور بلحظة الوصول إلى الاستقلال التام والسيادة، وهو يصارع الشعب الفلسطيني الذي يرفض أن يتنازل عن أي من حقوقه ومقدساته.

- أصبحت حكومة بينيت الضعيفة تعيش أزمة سيطرة الجماعات الصهيونية المتطرفة على القرار السياسي الصهيوني والتحكم فيه والاستحواذ عليه، ما يعكس تنامي "الداعشية" في "المجتمع الصهيوني"، وهو ما سيدفع الأمور إلى مزيد من التفكك في ظل حالة التناحر والانقسام الذي يعيشه "الكيان المؤقت".

- المقاومة لدى الشعب الفلسطيني وانخراطها في "حلف القدس". وبعد مرور عام على معركة "سيف القدس"، باتت هذه المقاومة تعدّ الورقة الرابحة التي يمتلكها الشعب، وورقة ضغط قوية تشكل تهديداً حقيقياً لـ  "الكيان المؤقت"، انطلاقاً من اعتبارها جبهة مهمة إلى جانب جبهات حلف القدس.

- استطاعت معركة "سيف القدس" إحداث ضربات لمفاهيم ارتكز عليها الأمن القومي الصهيوني طيلة سنوات مضت، تمثلت بضرب مفهوم الردع،  ومفهوم الحسم، ومفهوم الإنذار المبكر، ومفهوم حماية الجبهة الداخلية الصهيونية، والتي باءت جميعها بالفشل.

- بات "الكيان المؤقت" بعد عام من معركة "سيف القدس" يدرك أنه يعيش مأزقاً غير قابل للحل مع "حلف القدس" في المنطقة.

- أيقن "الكيان المؤقت" بأنه لا يمكنه بعد الآن حسم الصراع لصالحه بما يضمن توفير الأمن للمجتمع الصهيوني ومستوطنيه.

الخلاصة من ناحية الميزان الاستراتيجي أن معركة "سيف القدس" استطاعت الكشف عن تحول مهم في علاقة القوة بين "الكيان المؤقت" من جهة، و "حلف القدس" والمقاومة من جهة أخرى. وما ميز هذه المعركة في توقيت اندلاعها وسياقها الاستراتيجي وقواعد الردع والاشتباك التي فرضتها أنها كشفت، وما زالت تكشف، جنوح "الكيان المؤقت" نحو نظام تطرف ديني قائم على سياسة الإنكار والإحلال والعنصرية.

في المقابل، أوصلت الفلسطيني إلى نتيجة أنه أصبح بحاجة ماسة إلى درع وسيف للقدس كي يحميه ويحمي مقدساته من تغول التطرف للكيان المؤقت.

السياق الاستراتيجي لمعركة "سيف القدس" أبرز حقيقة الصراع القائم في المنطقة على أساس أن المقاومة الفلسطينية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من "حلف القدس" وركناً أساسياً في محور المقاومة، وأن الصراع الأساسي قائم بين محورين: الأول، الكيان المؤقت تدعمه دول التطبيع، ويعمل لأجل التسليم للقوة الصهيونية في المنطقة، والثاني ركنه إيران ويضمّ دول محور المقاومة، وقطاع غزة أصبح جزءاً منه.

لعل من أهم تجليات معركة "سيف القدس" في ذكراها الأولى، فشل محور "الكيان المؤقت" في إجبار محور المقاومة على التسليم بقوة "الكيان المؤقت" في المنطقة. ولو عدنا إلى سنوات خلت، لوجدنا أن الصورة التي رسخه "الكيان المؤقت" عن نفسه هشمتها المقاومة الإسلامية في لبنان عام 2006، وها هي المقاومة الفلسطينية تعيد الكرة مرة أخرى في 11 يوماً، لتثبت الحقيقة التاريخية أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عصية على الكسر أو الهزيمة أو الاستسلام.

بقلم: شرحبيل الغريب / كاتب ومحلل سياسي فلسطيني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1542 sec