رقم الخبر: 355091 تاريخ النشر: حزيران 11, 2022 الوقت: 13:44 الاقسام: مقالات و آراء  
مسودة الدستور التونسي وإشكالية حذف الدين

مسودة الدستور التونسي وإشكالية حذف الدين

تشكل المناخ السياسي في البلاد خاصة بعد التوافق على صياغة دستور عام 2014 من العديد من الأحزاب والجماعات السياسية.

أثارت تصريحات الصادق بلعيد، منسق الهيئة الوطنية الإستشارية لإعداد دستور بأن المسودة الدستورية المقدمة للرئيس قيس سعيد تتضمن الغاء الإسلام كدين للدولة حفيظة الكثير من التونسيين حيث عبر الكثير من الشخصيات السياسية والعامة عن رفضها واستغرابها لهكذا خطوة. لكن من جانب آخر، لايمكن فصل هذا التطور عن تطورات الأزمة السياسية الخانقة في تونس وسعي قيس سعيد لتمكين حكمه وإنشاء قاعدة شعبية موالية له وتوطيد حكمه.

جذور الأزمة السياسية الحالية في تونس

مع سقوط نظام بن علي في عام 2011، شهدت تونس بروز لاعبين جدد في الساحتين السياسية والاجتماعية، فضلاً عن ظهور خلافات قديمة بين الجماعات السياسية والاتجاهات الفكرية المختلفة والتي كان يتم إسكاتها في السابق بسبب القمع الواسع النطاق في عهد بن علي. وجود جهات فاعلة جديدة مثل حركة النهضة، والجماعات السلفية والجهادية مثل أنصار الشريعة، المجتمعات المحلية المهمشة، وجماعات المعارضة العلمانية.

 تنافس هذه الجماعات على النفوذ وخلافاتها الايديولوجية كانت السمة البارزة للمشهد السياسي التونسي في عهد مابعد الثورة. فمنذ عام 2011 كانت هناك خلافات عديدة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي اتخذت في كثير من الحالات اشكال عنيفة، وهو ما يمكن ملاحظته في موجة الهجمات الإرهابية التي شهدتها تونس من عام 2011 إلى 2014 ناهيك عن زيادة عدد الإضرابات العمالية والمطالب النقابية، وزيادة المطالب والاحتجاجات الإقليمية، وانتشار الخلافات السياسية حول قضايا مثل حقوق المرأة والحريات الاجتماعية وما إلى ذلك.

تشكل المناخ السياسي في البلاد خاصة بعد التوافق على صياغة دستور عام 2014 من العديد من الأحزاب والجماعات السياسية، والتي يمكن تصنيفها جميعها إلى أربع فئات رئيسية: الفئة الاولى هي الإسلاميين الذين يتكونون بشكل رئيسي من حركة النهضة الذين كانوا يحاولون توسيع نفوذهم ببطء وثبات في الهيكل الإداري والاقتصادي والقضائي لتونس واستخدام إمكاناتهم لتمهيد الطريق للإستيلاء على السلطة على المدى الطويل.

 يمكن اعتبار المجموعة الثانية من المؤيدين لنظامي بن علي وبورقيبة من الدولة العميقة، الذين سعوا، تحت اسم التكنوقراط والعلمانيين والبرجوازية إلى حماية إنجازاتهم وتوسيعها واستمرار استيلائهم على الدولة وكانوا حسب الظرف السياسي السائد متحالفين أو منافسين لحركة النهضة. والمثال الأهم على هذه الأحزاب هو حزب النداء التونسي بقيادة الرئيس التونسي السابق الباجي قايد السبسي، الذي انشق عمليا بعد الانتخابات البرلمانية عام 2015 وتحالف جزئيا مع النهضة. ويمكن اعتبار الطيف الثالث من السياسيين الشعبويين وأصحاب الأعمال الذين سعوا بسبب ثرواتهم ونفوذهم للمشاركة في الساحة السياسية لكسب القوة والنفوذ، وأهم مثال على ذلك حزب قلب تونس الذي كان زعيمه نبيل القروي رجل أعمال تونسي. بالإضافة إلى المشاركة في ائتلافات انتخابية مستقلة، أقام هذا الطيف روابط قوية جداً مع أطياف سياسية تونسية أخرى، مثل حركة النهضة، وأحياناً يتم تضمينه في القوائم الانتخابية وعمليات صنع القرار لهذه الأحزاب. يمكن اعتبار الطيف الرابع أقلية من الأحزاب العلمانية واليسارية والمناهضة للهيكلية التي لم يكن لها تأثير كبير في السياسة التونسية.

عجز الطبقة السياسية التونسية بجميع مكوناتها عن النأي بنفسها عن المماكحات والتنافس وعدم قدرتها لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المستعصية علاوة على تفشي فايروس كورونا في عام 2019 والزيادة الرهيبة في الدين العام ادت الى اهتزاز ثقة التونسيين بالعملية السياسية وزيادة وتيرة الاحتجاجات المطلبية في تونس. وهذا المناخ كان من الدلائل الرئيسية التي ادت الى وصول قيس سعيد الى سدة الرئاسة في عام 2019.

قيس سعيد وانقلابه على العملية السياسية

تمكن قيس سعيد أن ينقلب بنجاح على الدستور والمؤسسات القانونية ويقلب الطاولة على جميع الاحزاب الطبقة السياسية مستغلاً ضعف البرلمان ونزيف شعبية الاحزاب السياسة التقليدية جراء الأزمات المتلاحقة في تونس ونجح في شل حركة الأحزاب النقابات التقليدية وتحييدها. وتمكن بنجاح أن يشكل تحالفاً فضفاضاً يستعيض به عدم تمتعه بقاعدة جماهيرية مؤطرة ويتشكل اساساً من الأجهزة الأمنية والسيادة، الأحزاب الصغيرة والعلمانيين المتطرفين في اقصى اليمين وأقصى اليسار وقسم من البيروقراطية التونسية وبدء بالتحالف مع هذه الفئات في تحييد الأحزاب والنقابات التقليدية بالأول واجتثاثها من اجهزة الدولة وقمعه من يعارض الدولة العميقة بعد ذلك. وتمكن كذلك من اللعب بمهارة على وتر التناقضات الإقليمية والدولية خاصة بين الجزائر والمحور السعودي - المصري - الإماراتي لكسب التأييد الدولي من كافة الفرقاء الإقليميين وحتى الدوليين ومنع المجتمع الدولي من اتخاذ موقف حاسم تجاه اجراءاته. 

مسودة الدستور التونسي وإشكالية حذف الإسلام كدين للدولة

المسودة المقترحة للدستور الجديد وإشكالية شطب الديانة الرسمية منها هي في الحقيقة امتداد لمناورات قيس سعيد لتفتيت وقمع الطبقة السياسية والحركات الشعبية الصاعدة ضد اجراءاته، خاصة في صفوف النقابات والقضاء وبوادر تشكيل تحالف واسع مناهض له. وقد استعمل سعيد في هذا السياق اساليب شتى منها فصل تعسفي للقضاة، اتهام قاضيات بتهم تمس الشرف وكذلك اجراءات غير قانونية وغير دستورية اخرى. ويهدف قيس سعيد من هذه الخطوة تحقيق التالي:

- قطع الطريق امام حركة النهضة وبقية الحركات ذات المرجعية المحافظة من المشاركة في العملية السياسية وحرمانها من حقوقها السياسية خاصة في ظل احتمالية اعادة بناء شرعية حركة النهضة نتيجة لإجراءات سعيد.

- الحيلولة دون تشكيل ائتلاف واسع للوقوف أمام اجراءات الرئيس التونسي عن طريق ادخال الفرقاء السياسيين في متاهة الخلافات الهوياتية حول طبيعة الدولة وهويتها.

- التودد للتيارات العلمانية المتطرفة ومحاولة جذبها لجانب الدولة العميقة وجلب دعمها لإجراءات قيس سعيد.

بقلم: احمد برواية / كاتب ايراني  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0609 sec