رقم الخبر: 355092 تاريخ النشر: حزيران 11, 2022 الوقت: 13:45 الاقسام: مقالات و آراء  
المديـنة من مـنظور القرآن
"رَبَّنَا إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي ...."

المديـنة من مـنظور القرآن

ان ابراهيم (ع) الذي كان في مقام انشاء مدينة، لا يقول تهوي اليه اي الى بيت الله، بل يقول تهوي اليهم، لأن ما يمكن أن يخلق مدينة هو الاتصال والارتباط العاطفي بين الانسان.

- نص الآية الكريمة: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِك الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يشْكرُونَ".

- النظرية المستفادة من الآية: المدينة - من منظور هذه الآية - ظاهرة محورها الإنسان، تتشكل من خلال عملية الإنضمام الاجتماعي العاطفي، بسبب "سنن الله الاجتماعية"، فتجمع بين الجماعات البشرية وتؤدي إلى تكوين الاقتصاد للمجتمع.

- دلالة الآية على النظرية المذكورة أعلاه:  تتبين استفادة هذه النظرية من الآية من خلال عدة نقاط:

 1- ان إبراهيم (ع) حسب هذه الآية كان في مقام السعي وموقع التطلع إلى إنشاء مدينة في ذلك الوادي، ذلك، أن قوله (ع):  "إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي" يعكس هذا القصد والطلب، خاصة أن آية شريفة أخرى تعكس هذا الطلب لإبراهيم (ع) بلسان يصرح على ذلك، وهي الآية: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ".

2- المدينة ظاهرة حسب الآية: معنى كونها ظاهرة هو أنه ليس أن كل مدينة كانت ولا تزال منذ البداية، بل أن كل مدينة لم تكن موجودة في وقت ما، ثم كانت وتشكلت لأسباب معينة بعدها.  كيف تدل الآية على هذا؟  الجواب: واضح أن إبراهيم (ع) لما وجّه دعاءه هذا، لم تكن هناك مدينة.

3- المدينة ظاهرة محورها الأنسان.

 وهذا يمكن استنتاجه من أن ابراهيم (ع) عندما كان في موقع إنشاء المدينة، كان بيت الله الحرام موجوداً، وهو يتحدث عنه. "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِك الْمُحَرَّمِ".

 فيعلم إنه بمجرد وجود بيت الله (بدون الإنسان) لا يتم بناء المدينة. بل تتشكل المدينة من تلاقي البشر وتكوينهم الاجتماعي، فمحور المدينة الانسان وفق القرآن، ودور الدين ودور بيت الله  هو تحسين وتعديل العلاقات.

4- توقف نشوء المدينة على عملية انضمام المجموعات البشرية بعضها مع البعض:

ويمكن استنتاج ذلك من حقيقة أن النبي إبراهيم (ع)  الذي سعى لإسكان ذريته في تلك المنطقة لم يكن يعتبر ذريته كافية لتكوين مدينة، بل طلب من الله سبحانه ضم إناس إليهم. "إِنِّي أَسْكنْتُ مِنْ ذُرِّيتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِك الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيهِمْ".

5- ضرورة كون عملية الانضمام الاجتماعي عاطفيا حتى يجمع بين الجماعات البشرية، بصورة بناءة:

 وهذه المؤلفة تستفاد من عبارة "تَهْوِي إِلَيهِمْ"، وعليه فإن إبراهيم (ع)  يطلب من الله انضمام أناس إلى ذريته، يكون انضمامهم على أساس الرغبة والعاطفة والهواء الانساني، حيث إن هذه العواطف تخلق الربط بينهم، فيتكوّن المجتمع.  وإلا، مع إشراك أناس مليئين بالانقسام والانفصال، لا يتشكل المدينة الحقيقية، ولن يحدث أساس صحيح للمدينة.

الأمر المثير للاهتمام، أن ابراهيم (ع) الذي كان في مقام انشاء مدينة، لا يقول تهوي اليه اي الى بيت الله، بل يقول تهوي اليهم، لأن ما يمكن أن يخلق مدينة هو الاتصال والارتباط العاطفي بين الانسان، وهذا الاتصال والارتباط الانساني، هو الذي يشكل مجتمعاً في المدينة.

6- عامل تكوين الاقتصاد، هو اجتماع المجموعات البشرية وتنشئتهم الاجتماعية:

 وهذه الحقيقة تستفاد من جملة القرآن (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ) عبر الالتفات الى:

أ- يرجع الضمير في "وَارْزُقْهُمْ" إلى كل منهم، الذرية والاناس الملتحقين بهم.

ب- تم طلب الرزق لهم  لما بعد  اجتماعهم وتشكيلهم  المدينة، وهذا هو يعني اقتصاد المدينة.

ج-  فاجتماع البشر في المجتمع هو الذي: يؤدي إلى الاقتصاد، ويتعلق الاقتصاد بهم.

 - ما قلناه هو العوامل والعناصر التي تتدخل في عملية التكوين للمدينة ، وهناك عناصر أخرى تقوم بالدور من أجل إيجاد الجانب الديني في المدينة، وهي: الارتباط ببيت الله، اقامة الصلاة، الشكر.

بقلم: احمد مبلغي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0615 sec