رقم الخبر: 359434 تاريخ النشر: أيلول 28, 2022 الوقت: 10:33 الاقسام: ثقافة وفن  
التعايش في فكر السيد موسى الصدر
ضرورة حضارية لخلق الحوار

التعايش في فكر السيد موسى الصدر

سعى السيد موسى الصدر في تحركه إلى تحرير المواطن اللبناني من الخوف والقوالب الذهنية النمطية المفروضة عليه والتي تُناقض التعددية الثقافية والدينية التي يتمتع ويتغنى بها لبنان

انشغل السيد موسى الصدر منذ بدايات مجيئه إلى لبنان بتعميق وتمتين الحياة المشتركة بين المجموعات اللبنانية المختلفة، وتنمية العلاقات المباشرة بين أفراد المجمتع اللبناني المتنوع ثقافياً ومذهبياً، وتنشيط اللقاءات والزيارات، في سبيل إنشاء أجواء تلاقي قادرة على استيعاب الأنظمة الطائفية التي تشكل مانعاً عن الالتقاء والتواصل في كثيرٍ من الأحيان.  

كسر القوالب الذهنية القديمة

سعى الصدر من تحركه هذا إلى تحرير المواطن اللبناني من الخوف والقوالب الذهنية النمطية المفروضة عليه والتي تُناقض التعددية الثقافية والدينية التي يتمتع  ويتغنى بها لبنان، إذ يقول:" .... ولبنان الذي يلتقي فيه أبناء الديانات ويعيشون إخوة مواطنين وتجتمع فيه ألوان من الثقافة والحضارة والتيارات الفكرية من الماضي والحاضر ومن الشرق والغرب يُعدّ ضرورة حضارية لخلق الحوار بين أعضاء الجسد الإنساني الكبير، ويُعدّ ضرورة دينية ترفع عن الأديان تهمة التعصّب وتفسيم البشرية وتجزئتها، وضرورة ثقافية يسهل عليه أن يكون لساناً وسمعاً للاستماع والمخاطبة بين الشرق والغرب وبين القارات. إنّ التفاعل بيننا يعالج كثيراً من مشاكلنا ومشاكلكم ويخدم الإنسان والسلام معاً".

توجهت رؤية الصدر إلى جميع مكونات المجتمع اللبناني متجاوزةً ربما كل الرؤى التي طُرحت من قبل مفكرين لبنانيين، وهذا ما يُفسر اهتمام نخب ومرجعيات مسيحية بالصدر ودعوته إلى مؤسساتها وأماكن عبادتها وبيوتها، ولقائه بالرؤساء الروحيين والشخصيات السياسية والفكرية لبتي تطاعت إليه باعتباره رائداً من رواد الحوار الديني.

الحوار الإسلامي المسيحي

ومن أبرز علامات التفاعل بين السيد موسى الصدر والمواقع المسيحية الدينية افتتاحه محاضرات الصوم الكبير في 20 شباط من العام 1975،  في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في بيروت بمحاضرة عنوانها  " القوى التي تسحق والقوى التي تُفرق"، والتي أثارت الإعجاب والاهتمام حيث علق رئيس الجمهورية آنذاك شارل الحلو عنها بالقول:" يجتمع في الكنيسة مؤمنون لسماع كلمة الله من مرجعٍ ديني غير كاثولكي، ويقابل ذلك لا بالإعجاب فحسب بل  بالتأمّل الطويل"، وذلك حسب ما ورد في كتاب مسيرة الإمام السيد موسى الصدر.

نظر الصدر إلى العلاقات الإسلامية المسيحية من زاوية القيم الدينية والإنسانية المشتركة، فقد تضمنت خلاصاته للأديان بُعداً اجتهادياً تعزز نظرياً في التشديد على التعايش وتكريس لاهوت التسامح وتقبل الآخر والاندماج معه مع الابتعاد عن تناقضات الهويات الدينية الإلغائية، وكان من أوائل الذين ساهموا في إطلاق الحوار الإسلامي المسيحي، فكان مع رفاقه : المطران جورج خضر، الأب يواكيم مبارك، الشيخ صبحي الصالح، وحسن صعب وغيرهم أول من وقّعوا بياناً في 8 تموز 1965م، في إطار المحاضرات التي نظمتها "الندوة اللبنانية" عن المسيحية والإسلام في لبنان، حيث تم التأكيد على تلاقي الديانتين في إيمانهما بالله الواحد، وبقيامهم معاً على تعزيز قيم روحية ومبادئ خُلُقية مشتركة تصون كرامة الإنسان، وتُعلن حقه في الحياة الفضلى، وتنهض بالأرض وما عليها في محبة وسلام ووئام .

كان الصدر دائم الحرص على بناء الجسور وعبورها، بعكس كثير ممن يبنون جسوراً ليعبر عليها غيرهم ، وهذا ما يُفسر تعلق أبناء الطوائف كافة بالإمام الصدر، وقد منعت هذه الجسور الإمام من كثير من الانزلاق وقع به غيره.

مواجهة المشاكل المشتركة سوياً

حرص الصدر على تبيان عمومية التحديات المواجهة للشعب اللبناني، وعلى أنها لا تخص المسلمين وحدهم، بل تواجه المسلمين والمسيحيين معاً، وأن المشاكل القائمة متشابهة ومن الطبيعي أن يكون هناك تعاون وتكامل بين المسلمين والمسيحيين لحلها، فمشاكل الفقر والتعليم والاستغلال والاستبداد السياسي والمرأة والعنف وغيرها من التحديات القاسية التي يجب على القيادات الدروحية الإسلامية والمسيحية أن يتعاضدا ويعملا معاً لمواجهتها في سبيل تحقيق التوازن والعدالة والسلام في العالم.

ومن أجل هذا، يرفع السيد موسى الصدر من مستوى اهتمامه لقضية التعايش إلى مرتبة الرهانات الدينية والسياسية، بل الإنسانية العالمية، التي تتطلّب حماية وحضانة واسعة للوصول إلى حالة عالمية من السلام والاستقرار، فهو يخاطب الغرب قائلاً:" الغرب الحضارة لا الاستعمار، مدينٌ للبنان حتى اليوم، فالتعايش ثروة لهم أيضاً، وتصدعُه يُصدع التعايش في أفريقيا ثم في العالم كله". إذاً ، التعايش قيمة عالمية مقدسة لها تأثيرُ كبير على الأوضاع الدينية والاجتماعية في العالم، وعلى حركة الوعي والتقدم، بيد أن ّ التحدي الأكبر يكمن في التجربة اللبنانية التي تلاقي متاعب كثيرة وتتحمل المزيد من الضربات المؤلمة، لذلك دعى  الصدر اللبنانيين على الاتعاظ من تجربة الحرب والتطلع إلى المستقبل مع التمسك بالثوابت والأولويات التي لا يمكن أن تُمسّ، وعلى اللبنانيين عبر الحوار أن يختاروا صيغة تحفظ هذه الأولويات وهي:‏

1وحدة لبنان وهي ميزة وجوده ، والرسالة اللبنانية هي في التعايش .‏

2 الحرية في لبنان ضرورة ، لأنه فقط بالحرية يمكن بقاء مجموعات حضارية تتعايش في وطن واحد.

3 – احترام حقوق المواطنين أي : العدالة التامة ، العدالة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية والعدالة في التنمية (الإنماء المتوازن).

ختاماً بالنسبة للصدر، يرتكز التعايش الإسلامي المسيحي على الدين بصفته جامعاً مشتركاً ، فعند الإمام الصدر الإسلام كسائر الأديان الأخرى ، يتمسك كأساس لكل تعاليمه ، بالإيمان بالله الواحد ، خالق الكون والبشر، ويشدد على أن أفضل طريقة لضمان رضى الله هي في خدمة الإنسان بصرف النظر عن انتمائه العرقي واعتقاده الديني، لأن الدين بالمفهوم الصحيح لا يعزل أبناءه عن الآخرى، إنّ تعاليم الدين تمنع بوضوح أي تفرقة بين عباد الله وخدمة الإنسان وتحرّم أذيته أو ما يمس كرامته .‏

لكن من يضمن أن لا تتحول الفوارق بين الألوان والمجموعات المختلفة إلى حدود حيث تنصّب الجدر فيما بينها ، ويحل الصراع بدل التعاون والعداوة بدل المحبة، عن هذا السؤال يجيب  الصدر ويؤكد في كثير من المواضع والمناسبات عن الفرق بين الدين والتدين ، بما هو التزام حقيقي بالتعاليم الدينية الصحيحة ، يختلف تمام الاختلاف عن الطائفية التي يصفها بالسلبية ، وهي تؤدي بشكلٍ أو بآخر إلى الانعزال عن المجتمع ، بل إنها تقسمه إلى أجزاء صغيرة يمكن أن تنشأ بينها جدر متباعدة، وهذا مرفوض من قبل الدين الصحيح الذي يحتوي على تعاليم مفصلة بالنسبة للتصرف مع أبناء الطوائف الأخرى، وباختصار شديد، حرص الإمام الصدر أشد الحرص على تبيان الفرق بين الطائفية والتدين ، هذا الإصرار على التشبث بالتعايش بين اللبنانيين والتأكيد على مسألة الحرية في لبنان كشرطٍ أساسي لبقاء صيغة التعايش.

إنّ الصدر هو رجلُ حوارٍ بامتياز، والحوار يبدأ بالإصغاء ، وهذا ما ميزه عن غيره، فالسيد الصدر كان من كبار الأئمة المجددين الذين انخرطوا في العمل من أجل الإنسان وخيره ، ومن أجل إعمار الأرض .. لذلك فقد جاهد من أجل المحرومين والمستضعفين ..

 

السيد الصدر مع المسيحيينالسيد الصدر مع المسيحيين
بقلم: عبير شمص  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق/ خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 3/6378 sec