رقم الخبر: 361065 تاريخ النشر: تشرين الثاني 05, 2022 الوقت: 12:47 الاقسام: اجتماعيات  
أهمية التعايش بين سكان المدن وسكان الأرياف في المجتمع

أهمية التعايش بين سكان المدن وسكان الأرياف في المجتمع

الوفاق/ حسام رناسى/ على الرغم من كل التطورات الحاصلة في المجال الاجتماعي في العالم، إلا أن التعايش الكامل لا يزال ناقصاً، بل يفتقد الى الانسجام التام ما بين شرائح ومكونات أي مجتمع. وعلى وجه الخصوص، العلاقة ما بين سكان الريف وسكان المدن، وفي العالم العربي بالتحديد.

فالمدينة، مهما تقدمت فيها أوجه العلوم والاداب وغيرها، لا يمكن أبداً اعتبارها متكاملة في النواحي التي تستوجب خلالها وجود علاقات مجتمعية تطغي عليها نمطية التمدن، الانساني.

الكاتب الايطالي انطونيو غرامشي، كتب يقول في هذا المجال: " توجد في هذا النمط من المدن، وسط كافة الفئات الاجتماعية، وحدة/عصبية ايديولوجية مدنية ضد الريف، وحدة لا يشذ عنها حتى أحدث النوى من حيث الوظيفة المدنية (ومثل هذه النوى موجود). يسود حقد وازدراء تجاه "الفلاح" وتنتظم جبهة مشتركة ضمنية ضد مطالب الريف - وهي مطالب إن تحققت تجعل وجود مثل تلك المدن مستحيلاً. وفي المقابل يسود الريف، نفور تجاه المدينة بكافة فئاتها مجتمعة، والواقع انها علاقة غاية في التعقيد، تظهر باشكال قد تبدو متناقضة على السطح، وقد اكتسبت أهمية حاسمة ابان الصراعات المرافقة للنهضات القومية العالمية، عندما بدت على نحو اكثر اطلاقاً وفاعلية مما هي عليه في ايامنا هذه.

بينما وصف ابن خلدون أهل الأرياف بالكلمات التالية، قائلاً: "يبحث سكان الريف بدورهم عن متاع الدنيا، ولكنهم لا يطلبون سوى ما يحتاجونه أو الضروري منه فقط، كما أنهم لا يفكرون في الثراء الفاحش، ولا يبحثون عما يشبع شهواتهم ويزيد في رغباتهم. علاوة على ذلك، تتميز عاداتهم، التي تنظم حياتهم، بالسلاسة ويمكن أن نجد في ممارساتهم وطبيعتهم أشياء كثيرة لنتعلم منها، بالإضافة إلى أن عيوبهم لا تشكل خطرا كبيرا لو قارنها بعادات سكان المدن. من جهة أخرى، يعد أهل الريف أقرب من أهل المدينة إلى طبيعة الإنسان البدائي، كما أن نفوسهم أقل حساسية من الانطباعات التي تخلفها العادات السيئة. لذلك، إذا أردنا إصلاحهم أو توجيههم نحو الطريق الصحيح، فلن يشكل ذلك صعوبة كبيرة، في حين يصعب ذلك مع أهل المدن.

أما غسان الشامي من لبنان، فقد قال: يعيش 11% من سكان لبنان في الأرياف بحسب إحصاءات عام 2018، فيما كانت هذه النسبة تبلغ 58% قبل ستين عاماً حيث بدأت الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، ولاسيّما بيروت في أواخر الربع الأول من القرن العشرين مع إنشاء دولة لبنان الكبير وبداية تراجُع المِهَن التقليدية ذات الطابع الزراعي لمصلحة المِهن ذات الطابع الصناعي والخَدَمي. لكن، شهدت الفترة الماضية عودة آلاف الأسر إلى الأرياف والقرى من جديد، لأسباب عديدة، أهمها بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية التي أثّرت على حياة المجموعات الأكثر ضعفاً في لبنان، وعاد الكثيرون إلى استغلال الأرض جزئياً.

وقد علل أنطوان نوفل من لبنان وجود الفجوة بين سكان المدينة وسكان الريف، ذلك أن ابن الريف لا يزال يشعر بارتباطه الوثيق بالارض، والارتباط بالارض يعني الارتباط بالرعي، رعي الإبل، رعي الماشية، وعمليات الترحال من مكان الى مكان آخر بحرية وببساطة، أي دون حواجز تذكر. أضف الى ذلك، ان ابناء الريف يرفضون بداخلهم، نظرة الاستعلاء التي يمارسها ابن المدينة بحقهم. ولكن لماذا نظرة "الاستعلاء المدني هذه؟".

على هذا السؤال يجيب الباحث في علم الإجتماع و الأنتروبولوجيا د.علي بزّي، قائلاً: " لا يستغرب بقاء ثنائيّة القرية-المدينة على قيد الحياة حتى اليوم و احتفاظ كل من طرفيها بنظرته السلبيّة تجاه الآخر. فزوال هذه النظرة نهائيّاً مرتبط بتبدّل ذهنية الناس و تطوّر موروثهم و مخزونهم الثقافيّ. و هو لا يحصل بالسرعة ذاتها التي يبدّلون بها زيّهم و بعض سلوكيّاتهم الإجتماعيّة و أمور أخرى ذات طابع ماديّ.

في العراق على سبيل المثال، فأن مؤشر المستوى المعيشي واختلافه بين المدينة والريف، من شأنه أن يوسع الى حد ما الهوة ما بين بيئة المدينة وبيئة الريف. ناهيك عن الاختلاف في المستويات الصحية والتعليمية والاجتماعية، التي يبحث عنها ابن المدينة ولا يبحث عنها ابن الريف. أما الحقوق والامتيازات التي تميز المدينة عن الريف فهي متعددة وغالباً ما تكون هي محور التباعد الحاصل بين المجتمع الريفي ومجتمع المدينة. بالاضافة الى أن هناك فوارق طبقية تحتم وجود الهوة بين طرفي المعادلة. فالطبقة الغنية في المدينة تنظر باستعلاء الى الطبقة الريفية، والطبقة الريفية بالمقابل تنظر بازدراء وغضب تجاه أهل المدينة.

خلاصة القول، أن المدينة لا تزال تعتمد على الريف ومنتجاته، والريف بالمقابل لا يزال يعتمد على المدينة في تطوراتها الحضرية، عليه فأن تضييق الفجوة بين الجانبين من شأنه أن يوفر للمجتمع، خاصة في العالم العربي، ضرورات الحياة المستقرة، حين يكون التوازن حاضراً، وضمن خرائط العمران والتطور الاستراتيجية، التي يضعها المعنيون في هذا الاتجاه. ذلك أن  أن التنمية القومية تقوم على أساس التوازن بين الريف والحضر  وعلى ضرورة تحقيق العدالة بين مشروعات التنمية بين الجانبين.

 
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: خاص الوفاق
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 5/1994 sec