رقم الخبر: 361734 تاريخ النشر: تشرين الثاني 20, 2022 الوقت: 18:51 الاقسام: مقالات و آراء  
وصية أشرقت خالدة لكل الشباب الفلسطينيين
مقال في ذكر استشهاد أشرقت القطناني مع رسالة امها الخاصة للوفاق

وصية أشرقت خالدة لكل الشباب الفلسطينيين

"أيها الشهداء، إنكم شهود صدق والمذكورون بالعزم والإرادة الثابتة الفولاذية لخير عباد الله المخلصين، الذي سجلوا بدمائهم وأرواحهم أصدق وأسمى مراتب العبودية والانقياد إلى المقام الأقدس للحق جلّ وعلا، وجسدوا في ميدان الجهاد الأكبر مع النفس والجهاد الأصغر مع العدو، حقيقة انتصار الدم على السيف وغلبة إرادة الإنسان على وساوس الشيطان".الإمام الخميني العظيم(قدس) .

ست سنوات...وكيف لطفلة بحجم فلسطين أن تواجه إبعاد أمها الى بلد ثانٍ وعمرها ست سنوات والأب معتقلٌ في ظل دولة إحتلال عنصرية، ضريبة أنّ تكون مقاوماً ثمناً لكلمة لا للإحتلال .

طفلة السنوات العظام كانت أماً وأختاً ومن ثمّ أصبحت منارة الجيل المقاوم فكانت أشرقت فلسطين..

من أشعار الإمام الخميني(قدس) انطلقت من الفناء في الحب، إلى الفناء في فلسطين، ومن سجل أنا عربي لسجل أنا الشهيدة، ومن أيها العابرون إلى العائدون إلى منازلهم المسروقة كأحلام إبنة الستة عشرة ربيعاً وأشهرٍ عشرة والفجر الذي سوف يُضيء على ربى فلسطين العربية .

كان موضوع الصراع العربي الفلسطيني مع المحتل الغاضب هو شغلها الشاغل بكل قراءاتها وكتاباتها التي أُكتشفت بعد استشهادها، فكانت تحتفظ بوصايا الشهداء وصورهم وقصصهم وهي التي قالت عن سيد المقاومة :"عندما أرى وجهه المبتسم أرى في ضحكته نصر، عزّة، صمود و تحدّي، في ملامحه أرى تحرير وطني وإنهزام عدّوي..

مع كل شعرةٍ بيضاء من رأسه هناك رواية شهيد أو أسير أو يتيم، ومقاوم.

أعشق عمامته التي إمتزجت برائحة شجرة الأرز وأرض الجنوب وشجرة الزيتون وزهرة الياسمين ".

وفي رسالةٍ لها كتبتها لسيد المقاومة تقول فيها : "سيدي أبا هادي أكتب لك كلمات أعلم أنها لن تصلك ولكن أعلم ياسيدي أنك في قلوبنا تزرع الأمل فينا وتمدّنا بالثقة وروح المقاومة وروح المحبة والحق. حقاً سيدي لو عشت كل الأزمان متأكدة أني لن أجد رجلاً مثلك يقول كلمة حق. عشقناك من كلماتك ومن نضالاتك ومن حسن أخلاقك. أدامك الله لنا ذخراً وعزاً وسنداً ياسيدي الفاضل يا ابن آل البيت(ع)".

وبعد استشهادها قال عنها سيد المقاومة السيد حسن نصرالله:"أشرقت بالنسبة لي مثلها مثل إبني الشهيد هادي وإنّ شباب فلسطين اليوم يقتحمون العدو الصهيوني بالموت باستخدامهم السكين، ومن نماذج الشباب الفلسطيني اليوم الشهيدة أشرقت قطناني هذه الصبية الشابة كم كان عندها من وعي كبير وعزم راسخ وفهم عميق وصادق للقضية التي تضحي من أجلها وتحديد الأولويات ومن العدو ومن الصديق، إنّ أشرقت قطناني نموذجاً للكثير من شابات وشباب فلسطين الذين يملأ قلوبهم عشق الحرية. إن تخلينا عن صلاتنا وصومنا سنتخلى عن فلسطين، أشرقت هي شهيدة المقاومة الإسلامية في لبنان”.

إنّ تأثير العملية الإستشهادية التي قامت بها الفتاة المقاوِمَة كان وقعها إيجابياً على الشباب الفلسطيني في الداخل المحتل وتحديداً في الضفة الغربية حيث خرجت الجموع لملاقاتها وبدأت قصص البطولة تُروى في المدارس على التلاميذ الصغار فشبّوا وأصبحوا أسوداً متمرسين بمقارعة الإحتلال الغاصب بعدما كانوا ينتظرون صوتها وأشعارها الوطنية في إذاعة المدرسة حيث كانت النشيطة الناشطة رغم سنيّ عمرها إلاّ أنها كانت القائدة لكل أقرانها وأصدقائها بسعة ثقافتها وقوة إرادتها وحسّها الوطني ..

الأيقونة التي زينت صورها كل بلدان المحور، وأُطلِق إسمها على المرافق والحدائق وانتشر إسمها بين المواليد الجدد الذين سيحملون شعلة أشرقت لتضيء دروب العابرين نحو تحرير الأراضي المحتلة من ربيبة الاستكبار العالمي المزروعة قسراً في أرضنا المقدسة. الشهيد الثائر عصام دوابشة قام بالثأر لها باليوم نفسه، والشهيد علاء حشاش الذي تأثر بها فثأر في اليوم التالي، والشهيدة فاطمة حجيجي التي ظلت متأثرة بأشرقت واستشهدت وهناك العديد من الشهداء الذين تأثروا بسيرتها،  حتى في يوم تشييعها، خرجت مدينة نابلس عن بكرة أبيها وتوشحت بألوان الشهادة حيث هتف الآلاف بخطاب أشرقت عن الوطن والقدس والقضية الأساسية بتحرير كامل تراب فلسطين. وكانت مسيرة ضخمة فاجأت الجميع، وهنالك رابط حقيقي أن الشهيدة أشرقت ظلت معروفة لكل الشباب المقاوم عبر راياتها ومقولاتها ومواقفها من الثورة والشباب الفلسطيني، مما جعل لها الكثير من المتابعين والمتتّبعين لحكاياتها.

 في يوم استشهاد القائد إبراهيم النابلسي من مجموعة "عرين الاسود" زارت عائلة أشرقت ذوي الشهيد وقدمت لهم وسام الشهيدة أشرقت القطناني ليبقى صوتها الحسيني هادراً لا يخفت ويعكس صورة تقارب عائلات الشهداء في كل تراب فلسطين..

"منذ استشهاد أشرقت قمنا بإحباط ٨٠ عملية كلهم جاءوا ليثأروا لأشرقت" بعض ممّا قاله ضابط الإستخبارات الصهيوني عند التحقيق المستمر مع عائلة الشهيدة.

لا يقتصر تأثير الشهداء في منطقتهم أو في قريتهم، فأثر الشهداء يجب أن يبقى منارةً للأجيال الناشئة والروحية الجهادية التي تؤسس لضمان العمل الجهادي في ظل كل الهجمات العالمية الشرسة على مجتماعتنا وقيمنا وأفكارنا السليمة ومحاولة الاستكبار العالمي وأذرعه الإعلامية والثقافية والفنية التي تَقلب الحقائق والأحداث خدمةً للكيان الصهيوني المتهالك..

إذاً علينا أن نكون مسؤولين عن هذا الدم المقدس، أن نشعر بالشهداء كلهم، أن تكون أشرقت حاضرة في رسالتها الحسينية داخل الوطن كافة.

إنّ "عرين الأسود" هو حالة مجتمعية مستمرة وليست مرحلة عابرة تنتهي بإستشهاد قائدٍ هنا أو إعتقال قائدٍ هناك، إنما الروح هي التي تُقاتل، والمجتمع الذي أنجب آلاف المقاتلين المستعدين للشهادة هو مجتمع حي، حيوي،لا يهرم ولا يُهزَم طالما هناك من يحمل السلاح ضد الإحتلال الصهيوني ومغتصبي الأراضي المحتلة.

رسالة والدة الشهيدة أشرقت، تُنشر لأول مرة : "لن أتحدث عن أشرقت الإبنة فقط بل الأخت والصديقة والأُم لي ولإخوتها، لأبيها وهي الأقرب للروح في تصرفاتها وإدراكها رغم قوة شخصيتها وتصبرها لكثيرٍ من الأمور إلا أنها لم تخفي يوماً ما حقدها المستمر على الاحتلال الذي كان سبباً في إعتقالات والدها المستمرة وسبباً في ترحيلي وفراقي عنهم. تحمّلت المسؤولية عندما كانت صغيرة جداً في عمرها، تذهب للمعتقل لزيارة أبيها وتعاني مشقّة الطريق هي وإخوتها.

( أشرقت ) تركت الكثير من الفراغ والألم لنا وليس لي فقط كوالدتها، بل لكل من عرفها وعرف تفكيرها وشخصيتها القوية جداً. لم تهب يوماً ما من الاحتلال ومع كل ذلك كنت أراها الطفلة في عينيّ ، لكن تصرفاتها كانت تثبت أنها أكبر من سنها بكثير.

حينما إلتقينا في الأردن سويةً كانت آخر رحلة لها، مشغولةً بالانتفاضة وكانت توصيني بالقوة والثبات وعدم البكاء، كانت توصيني بأنّ الإمرأة يجب أن  تكون قوية...

 رغم كل الظروف لم أشعر أنها إبنة فقط، فكنت آخذ منها الكثير من قوة شخصيتها دون أن تعلم أنها غَيّرَت الكثير داخلي.

 قبل سفرها لفلسطين نامت عند قدَمَيْ، وقالت لي أريد أن أشبع منك أكثر وأكثر، استغربت تصرفها ولكن قلبي وقتها أحس أنها مقدمةٌ على عملٍ ما، وأنها  كانت تودعني، قالت لي أحبك وحبي لك أمي كبير رغم الكثير من الألم داخلي لكن يوماً  ما سنجتمع في مكان نتمناه جميعاً بإذن الله ولم توضح لي ما تعنيه.

في آخر يوم معاً، طلبت مني أن أحتفظ بكل ما أحضرته لها، وأن أوزعه لله تعالى وأنها لا تريد أي هدية مني أبداً، سألتها لماذا قالت لم أستخدمها فأنا طريقي أمراً أخر الآن ولكن أريد منك طلباً واحداً، قلت لها ماهو قالت لي أريد منك أفضل لباس تلبسينه دوماً في المنزل من ثيابك آخذه منك يبقى معي حينما ألبسه اشّم رائحتك، قمت بإعطائها قميصاً أصفراً وبنطال أسود اللون. تفاجئت يوم استشهادها أنها كانت ترتدي الملابس التي طلبتهم مني.

ليلة وداعها لي قبل تنفيذ العملية، كانت تصبّرني كثيراً، وقلبي يحمل جمراً أنه سيحدث أمراً ما ، لن أنسى ضحكاتها ومزاحها معي وسهرها، سألتها ماذا تفعلين الآن قالت أكتب على الورقة وأرسم، لم أعرف أنها كانت تكتب وصيتها الأخيرة، وأنها رسمت دماءها نصرةً لفلسطين والشهداء.

حينما عادت أشرقت إلى فلسطين كانت تتصل بي قبلها بأيام وحينما استشهدت عائلة دوابشه حرقاً اتصلت تصرخ وتبكي حرقوا الطفل الرضيع وأهله إلى متى سيكون الصمت ونتفرج. حاولت تهدئتها قالت: قبل أيام محمد أبو خضير، والآن  عائلة دوابشة، وكل يوم شهيد.. لم أعد أتحمل ما يجري من ظلم. لكن كنت لحظتها أقول لها عندما تُنهين دراستك إن شاء الله، تُدافعي عن كل مظلوم، صمتَت برهةً وقالت لي بصوت عالٍ، لم يعد ينفع الكلام الآن. وأغلقت الهاتف معي. ليلة وداعها لي ركزت على دعوات مني لها فخرج من لساني ماسخره الله لها قلت لها" روحي الله يرفع رايتك يمه ويبيض وجهك وينصرك وجيبي شهادة أحسن ما نتمنى وما يضيع تعب الك"..

يوم رحيلها قبل تنفيذ العملية صباحاً بساعة إتصلت بي وقالت لي ناديت إسمك بالبيت أعطيت أبوي دواه وطعميت العصافير نازلة أقدم امتحاني استني ارجع وخبرك شو النتيجة خلال ساعه بتبين، خفت لحظتها ولكن صوتها في ذاني سألتها مالك في إشي قالت لا بس شوما صار كوني بخير وافتخري إني حقدم أعظم امتحان وسعادة بتفوّق أن شاء الله حتكون..

دعوت لها الله ، وفعلاً انتظرت اتصال منها، لكنها أرسلت رسالة تسألني فيها : أين أنتِ يا أمي؟

 ثم رنّ الهاتف: أشرقت نفذّت عملية واستشهدت.

المنظر أمامي الآن لأشرقت وهي تقاوم وتواجه الاحتلال دون خوف أو تردد أو حتى أن تُدبر بل بقيت في المقدمة حتى قاموا بإطلاق الرصاص عليها وهي تطعن مجندة وتتقدم فقاموا بدهسها خوفاً منها لما أعطاها الله من قوة وثبات. مهما تحدثت عن أشرقت لم أَفِها حقها، أشتاق لها كثيراً، أحتاجها كثيراً، أراها حولي وأسمع صوتها وأعلم أنها تراني وتسمعني لكن لم أفعل ماقالته لي كل ما أتحدث عنها في نفسي أبكيها ولم أستطيع أن لا أبكي كما طلبت مني، اشتياقي لها واشتياق إخوتها وأبيها يزداد فهي لم تكن إبنة فقط بل كانت أماً لهم مكاني وأختاً وصديقة أعطتنا وأكرمتنا ووهبتنا أكثر مما كنا نتصور في طفولتها وفي دمها وفي روحها رضي الله عنها وأرضاها جمعنا الله بها. لم تفي حقك الكلمات يا أشرقت مهما تحدثت، بُنيتي اشتاقك وأحتاجك يمه اكرمك الله الفردوس الأعلى يارباه آمين. والدتك المشتاقه التي لم تودعك في تشييعك ولم تشم رائحة دمك الزكي الطاهر بسبب منع الاحتلال دخولي لفلسطين وترحيلي وعدم امتلاك لم الشمل.

يوماً ما سنلتقي بنيتي بإذن الله. موجعاً ومؤلماً جداً فراقك يا أشرقت سامحيني حينما أشتاق لك وأبكي.

والدتك المحبة.

وتبقى الوصية الخالدة لكل شبّان وشباب فلسطين ما دونته أنامل إبنة الستة عشرة ربيعاً الفتيّة بعمرها، الكبيرة بمعرفة قضيتها والعظيمة بشهادتها :( إنْ هاجر الجميع من فلسطين بِحجّة الأوضاع، سأبقى فيك بحجّة الإنتماء).

بقلم: علي عز الدين  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
مصدر الخبر: الوفاق خاص
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/0647 sec