رقم الخبر: 346753
مشاهير الأدب الفارسي وآثارهم القيمة
كيفية خلق الإنسان في أدب العطار النيشابوري
حيث الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، وحيث الاسلوب الادبي الفاخر، والبيان البليغ المعجب، والبلاغة الواضحة الصادرة عن معين خالص، صاف هو معين الاثر الايجابي الخلاق الذي تركه الاسلام في النفوس.

في رائعته الادبية العرفانية (مصيبت نامه) يسلط فريد الدين العطار النيشابوري الضوء على كيفية خلق الانسان منذ بدايته وحتى وصوله سن البلوغ.

وهو يحاول ان يدفع الانسان، ويثير في نفسه الدافع الى التأمل والتفكير في امر النفس، وامر هذا الكون، لان هذا التفكير هو السبيل الوحيد للوصول الى الحقيقة، ثم يتناول خلال ذلك المدارج المختلفة للسير والسلوك، من مرحلة الطلب، وحتى الوصول الى المعبود، والالتقاء به.

وبذلك فان همّه الاساسي في هذا الكتاب هو العثور على اجابات شافية لتساؤلاته المتمثلة في التوصل الى الكيفية المثلى للتقرب الى الحق تعالى.

وكما اشرنا سابقاً فاننا نرى العطار يولي وجهه بادئ ذي بدء صوب ملائكة الله المقربين كجبرائيل، واسرافيل، وعزرائيل علها باعتبارها كائنات مقربة الى الحضرة الالهية، عليمة باسرار هذه الحضرة، وسبل التقرب منها ان تمنحه بصيصاً من نور وهو يتخبط في ظلام البحث عن الحقيقة.

الا انه سرعان ما يكتشف ان هذه الكائنات لايمكنها ان تقدم له الاجابات الشافية على تساؤلاته رغم انها من سكان الملأ الاعلى، وانها محيطة بالعرش ليل نهار، مسبحة بحمد الخالق دون انقطاع.

والسبب في ذلك على ما يبين لنا العطار هو انها تمثل عقلاً محضاً مجرداً من العواطف، والمشاعر، وهمسات القلوب وخلجاتها، وقدرتها في لحظات التسامي والشفافية على اقتناص الحقيقة الخالصة دون ان تشوبها شائبة من احكام العقل الصارمة الجافة.

ولذلك نرى سالك طريق العرفان يزداد وضوحاً وبصيرة كلما امعن في رحلته الباحثة عن الحقيقة، وكلما ازدادت تساؤلاته، وعثر على اجابات اكثر عنها، حتى يصل الى حقيقة ان الروح المجردة عن الجسم واثقاله هي وحدها القادرة على ادراك الحقيقة، والتخلص من وطأة الشكوك، ومعاناة الظن والتساؤل، وآلام الحيرة والاضطراب.

ولذلك نرى العطار يهتف بهذه الحقيقة قائلا على لسان السالك الذي اصبح الآن مقتنعاً بهذه الحقيقة بعد رحلته تلك:

(انّه ماضٍ الآنَ ليستبدلَ الروحَ بالجسم

وليوصِلَ الجسم بالروحِ قبِلَ ان يحلّ أجله...).

وهكذا يمضي السالك في رحلته، قاطعاً طريقاً مليئاً بالاسرار، حتى يصل في نهاية المطاف وبعد حيرة متواصلة، واضطراب مستمر، واجتياز مراحل مختلفة الى روحه التي تمثل في الحقيقة وجوده، وكيان نفسه، فيرجع اليها، وبعد صمت طويل ينطلق لسانه قائلا:

(لقد اثبتت لي التجربة

انّكِ شعاع من شمسِ الحقيقة الازليّة

ان تجسّمكِ لايمكن لا في العقل،

ولا في الذهنِ، ولا في ايّ مكانٍ آخر..).

(... لقد طرقت كلّ الابواب،

وجلت في جميع ارجاء العالم

الاّ انني لم اصلْ الى مرادي ومقصودي

فهل بامكانك ان تحققي لي مراد قلبي

وتقرّبيني الى الحضرة الالهية؟!)

يتبع...

Page Generated in 0/0037 sec